إلى مشهور خيزران.. حارس رغيف الفقر!!..

إلى مشهور خيزران.. حارس رغيف الفقر!!..

طلال مرتضى*

ها أنا يا “مشهور” أقف هذا المساء مثل طود منهمر على خط الشوق، أرقب عن كثب لحظات انكساري من دون عبرة, إلا من تلك التي تتحشرج بين أصابعي وبخشونة كي تستدر الحبر الأثيم من ثدي رقدته التي طالت..

كل الصور الغاوية على برود الوقت انطفأ رنينها في رأسي المنتفخ بالهذربات فتلك المدن التي وفرت لي تفاصيل الحياة الرغيدة لم تهب لروحي دفئاً وأماناً يا مشهور..
لهذا لا تستغرب يا رفيق حبري حين أحسدك وأنت تجلس وحيداً جائعا في بلدتك المسحورة كمن خرج من آبدات التاريخ تمسد بطنك الخاوي في محاولة بائسة لإسكات الديدان التي كفرت في أمعاءه بعد وقوفك محرجا أمامها, ذليلا حين باءت كل مناوراتك بالهزل أمام من سرق من بين يديك -وأنت تتفرج برضا- قمح بيادر قريتك الملعونة..

يا مشهور.. اعرف إن الفطنة لم تفتك حين هدهدت على كتف آلهة جوعك المكين بالحيلة وأقنعتها بأن قمر “حوط” في الصباح سيتحول إلى رغيف خبز طازج يكفي كل فقراء سوريتنا المعذبون, هذا بعد وصول شمس الصباح الباكر من جهة الجنون لتشوي وجه ذلك القمر البائس الذي لم يعد خيمة للعاشقين كما كان قبل ألف عناق وكسرة لهفة..

الفرق شاسع يا صديقي بيني وبينك، فقد خلبت مدن النور لب قلبي فانجررت إليها كحجر حطه السهو من حلم وبقيت وحدك كدينكيشوت القديم تصارع طواحين الوجع..

تعال يا صديقي لبرهة لنجلس معاً على ضفة تعبنا ونحكي دون حواجز، لم يعد هناك متسع لكي يواري إيانا خيبته، لعل المفارقة الأولى لم تكن عادلة يا صديقي على الأقل بالمقارنة مع ما أنت به..
ها أنا كل صباح انتعل عدة كذبي على كاهلي وأخرج من منزلي الذي فقد حواسه نحو “دانوب” المدينة الباردة، هناك حيث تدلف ماءه الحوريات التي وعد الله بهن.. لقد خدعونا يا مشهور معاً، الحوريات هنا في “فيينا” يا صديقي، اقتربت منهن حد الملامسة كي أتأكد بأن نصفهن السفلي ليس سمكاً, هن حوريات بالفعل والحظوة بإحداهن لا تحتاج إلى توبة نصوح، يمكنك أن تستكري واحدة أو اثنتين بكأسي نبيذ معتق وكسرة خبز..

يا مشهور تلك الحواري لا يشبهن الحواري التي تعرفت إليهن في حصة التربية الإسلامية إبان نكستي في الصف التاسع..

يا صديقي.. قد أخبرتك في ذات مقال سالف أنهم دجنوا النهر “الدانوب” فلم يعد متفلتاً كأنهار بلادنا، صار طيع المراس مثل الحواري اللواتي يدلفن ماءه قصداً ليشعلن نار الشهوة في روح الشاعر اللاجئ، لهذا لا تستغرب حين تنام كل ليلة على هدل قصائدي العارية والتي لا أواري بها فتنة الغزالات وتصطبح على صهيل كتاباتي التي تغطي كل وسائل التواصل المتاحة والتي تتهيب بعض حسناوات البلاد من مهرها بتعليق يليق بجلالة غواية الاشتهاء وفتنة التصاوير الصادحة العطر..

هذا أنا يا صديقي.. خلقت من حبر وجنون، عند حد الماء استل سيف نشوتي
-القلم- واضرب عرض -الورق- وجعي كل الأفكار التي تم حشوها قصداً في قحف جمجمتي عن حب الوطن..

الوطن… يا الله كم لهذه الكلمة رنين في رأسي الخاوي يا صديقي..
تصور وأنا أكتبها على جهازي اللوحي اللعين, كانت امرأة من عطر وحبر ترسل لي من آخر حدود الجغرافيا قائلة وهي ترى إشارة حضوري على الشابكة خضراء:
لا ترد يا طلال.. من الأجدر أن ألغيك كلياً من روحي كي ارتاح وترتاح.
لقد أصابت عزة نفسها مقتلً لعدم ردي”.

ضحكتُ يا “مشهور” ملء روحي متسائلا:

روحك.. وهل أنا موجود أصلاً بعد أن لبست لعنة الغربة ثوباً؟!.

حين تعرف أنني كنت أكتبك يا “مشهور” ربما تعود إلى ورّدها..

الوطن.. الوطن.. الوطن هنا يا مشهور.. نعم..
أنه هنا يا صديقي حيث الأرض تلهج بالخضرة التي ترندح أنفاس الحبر مفازات الحواس..
حيث شوارع المدينة نظيفة لدرجة إنك حين ترى عقب سيجارة على رصيفها ينتابك الشعور بالخيبة عندما لا تنحني لتلتقطه وتلعن ذلك الغريب الذي يشبهك بالهوية عندما رماه على غير هدىً..
أبناء المدينة يا “مشهور” حتما لا يرمون أعقاب سجائرهم، لديهم حساسية عالية تجاه عشقهم لبلادهم اللعينة..
هم ليسوا مثلنا ولا يشبهوننا بالمطلق..
فالوطن عندنا هو الحقيبة التي نستطيع حملها مملوءة بخيرات البلاد التي نبذتنا أو نبذناها على حد سواء فلا ضير..

الوطن بالنسبة لنا هو السرير الذي ننعم بدفء حورية من تلك اللواتي تربين في الدانوب يا صديقي..

الوطن  يا مشهور هو صور السيلفي اللعينة التي ننشرها حين نجد المتعة والصخب ونرسلها لمن نعرفهم كعلامة نصر تشي بأننا قد كسرنا خشم الحرب, بالمعنى الفصيح تلك عدة مواراة خيبتنا..

الوطن تلك الماركات العالمية التي نتباهى بارتدائها ونمشي بزهو بينما أمثالك لم يزلوا يناموا كل ليلة وبطونهم خاوية, ينامون مبتسمين وهم يرسمون على وسائدهم ما لذ وطاب من فاكهة الحلم..

الوطن هنا يا مشهور.. هو الجمال.. والجمال هنا يا مشهور.. الشبع الذي نتخم به بطوننا يا مشهور وبطن “الفيسبووك” بالصور..
ليس هذا فقط يا صديقي.. حتى الله بعزة جلاله وعظمته تجده هنا بيننا, يمشي هو الآخر مختالا بصفته الإنسانية بعدما أوقن بكل قدراته الخارقة بأن طريق التواصل بين كل هؤلاء البشر مع اختلاف ألوانهم ومشاربهم هو طريق الحب..
الحب يا مشهور.. أيها البائس.. هنا عامر بكل أُبهته بين الكبير والصغير بين الفقير والغني..
أيه… ولماذا أنت مستغرب.. هؤلاء البشر أمنوا بما رميناه وراء ظهورنا.. أخذوا ميزان العدل الذي كسرنا شعيرة قسطاطه على غير ندم..

الوطن يا مشهور.. وبصراحة متناهية.. كل مجموعة الأكاذيب التي حشوتها تواً طَي مقالتي تلك كي لا ينكسر برواز صورتنا الباسمة في بلاد الخيبة..

الوطن هو الأغنية التي لم أزل أرددها وأنا أمشي وحيدا على أرصفة غربتي بصمت كي لا يسمعني العذال الشامتين، كلمات متواضعة لم أستطع نسيانها:

موطني.. موطني الجلال والجمال… موطني..

هل رأيت يا مشهور وقرأت وتلمست قدرتي على الكذب والإقناع، لقد أقنعتك وكاد دود الرياء ينخر دماغك كما قلبك المنهك أيها الكهل, فكل قصائدي التي كتبتها عن مدن الجمال, خاوية من الأحاسيس والتصاوير التي تتلمسها طي الدايوان الجديد مصطنعة، أنا من رتبها وزينها في أعين القرّاء يا صديقي وكما أسلفت كي لا يتشوه منظر الغربة..

كل الحسناوات، الحوريات الفاقعات النهنهة والشاهقات الصدور, حليبهن بارد مز الاشتهاء مثل النظافة التي مُنيت بها تلك المدن البائسة, لا غبار طلع يلقح أنوثتها حتى ولو كان دخاناً منبعثاً من فوهة بندقية انفجرت بصدر عارية على أرض سوريتنا..

الوطن يا مشهور بالفعل هو المرأة التي اسكنها وتسكنني رغم هول الجغرافيا والتي لم استطع الرد عليها وأنا أكتبك..

نعم يا مشهور.. هي وطني الذي ادندنه في ممشاي وانعته، بالجمال والجلال…

اعلم انك تقهقه الآن ملء روحك حين تمسك خيبتي وغربتي بين يديك اللتين لم تلوثهما بعد حرب البلاد رغم تجويعك القصدي..

أضحك أيها اللئيم عَل شرايين قلبك تنفجر وتنفطر كما روحي المشتاقة لعناقك، لتين شجرتك العجوز في الحاكورة و ورافة دالية عنبك المكحلة بالمعتق..

يا ابن الله المصلوب في جنة الصبار “الحوطي” من يضاهيك بالحب, بالجنون وبالشعر كي تفتح عليّ نافذة لهيب اللهفة؟!!..

يا الله.. لتنفطر شرايينك مرة أخرى كما انفجرت سالفاً..

أنا أقهقه أيضا عليك حين أقنعت أم” نيرودا ولوركا” بأن مرض أهوج الم بتلك الشرايين البائسة، قطعاً أنا أعرفك كما اعرف ذاتي الخائبة.. شرايينك انفجرت لفرط عشقك للبلاد وحوريات البلاد, اللاهبات، الغاويات, الخاملات, الكامنات, الزاهدات الدلال.

أترى يا صديقي، بسرعة متناهية وجدت من يفتح لك صدرك ويرمم ما خربته إلهات العشق..
لتعلم بأن كل شيء هنا متوفر لكنه بارد الحواس، قد يغافلك الموت على حين انبهار فلا تجد من يعزي غربتك اللعينة وتموت وحيدا مثلي كل يوم تزداد فيه غربتي عن مدني النساء اللواتي وسمتُ بعشقهن، “دمشق وبيروت”..

يا الله يا مشهور.. من يخمد هذا العشق الإلهي المجنون؟!!..

تعرف يا صديقي.. ثمة برد أثيم يدهم مفاصلي رغم صخب أطفال الحديقة التي أكتبك منها الآن، تواً هربت من سجن عزلتي البارد في محاولة أقنع فيها حواسي بأنها لم تزل على قيد اشتياقها لمدن الله الفاصلة.

*كاتب عربي/ فيينا.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *