الأسير و الإسراء!!..

الأسير  و الإسراء!!..

دكتورة نيفين عبد الجواد*

بحلول ذكرى الإسراء من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى يتذكر المسلمون فى هذا اليوم من كل عامٍ حادثة الإسراء والموضع الذى تم الإسراء إليه بعدما غادر بيت المقدس ذاكرتهم اليومية ليحل محله خمس مرات على الأقل فى اليوم الواحد موضع قبلتهم الدائمة التى يتوجهون صوبها فى مكة المكرمة حيث المسجد الحرام – أول بيتٍ وُضِع للناس والذى منه تم الإسراء بخاتم الأنبياء ليلاً؛ ليكون الحدث الذى يُغلفه التكريم بالصعود، ويتخلله امتحان القلوب بتصديق قدرة علام الغيوب على نصرة رسولٍ مغلوب مثلما كان نصره من قبل لرسوله نوح عندما أمره ببناء سفينة النجاة من الطوفان المحتوم الذى سيُغرِق الجميع إلا المؤمنين.

ومثلما نصر رب العالمين نبيه نوح نصر نبيه محمد عليهما الصلاة والسلام، فنجا المؤمنون بنوحٍ من الطوفان، وانتصر دين الإسلام على أعدائه من المشركين والكفار ليعم الأرض شرقها وغربها – سواء رضي بذلك من رضي أو أبى من أبى. ونصْر الله لأنبيائه ليس فقط معجزة خارقة تُذهِل العقول الطاغية فتضحى بلا حولٍ أو قوة، وتُخضِع القلوب المتكبرة  فلا تجد بديلاً عن الإيمان؛ بل هو أيضًا عِبرة لمن يعتبر وذكرى لمن أراد أن يتذكر.

وفى ذكرى الإسراء لابد وأن نتذكر المعجزة فنؤمن بقدرة الله على كل شيء، وأن نُذكِّر أنفسنا كذلك بالعبرة والعظة لنوقن أن للنصر أسبابًا ظاهرة قد يتحقق بها مثلما أنَّ له مُسبِّـبًا يستطيع بقدرته ودون أية أسباب أن يقول للشيء كن فيكون.

ومع كل ذكرى للإسراء تطغى فكرة المعجزة وروحها التى تعتمد على قدرة المسبِّب – بغض النظر عن الأسباب – على فكرة النصر ومقتضيات تحققه، فنحجب عن عقولنا قاصدين مصرين مبدأ “إن تنصروا الله ينصركم”، ونغض الطرف عامدين متعمدين عن الحث على إعداد كل ما نستطيع من قوة ومن رباط الخيل لإرهاب عدو الله وعدونا، مستندين إلى أنه لم يعد هناك الآن معارك تخوضها الخيول العاديات، وغافلين عن أننا مطالبون بإعداد كل مظهر من مظاهر القوة وأى شكلٍ من أشكالها أيًا ما كانت أداتها غير مكتفين بأكل الحلوى وتبادل المعايدات عبر تطبيقات التواصل الاجتماعى.

فنقعد من جراء ذلك مستكينين خانعين ومتجاهلين لمعنى الجهاد الذى يعكس قوة الإيمان والذى ينفى عن صاحبه أن يكون مستضعَـفًا فى الأرض بلا حراكٍ أو تأثير، بل يدفعه حثيثًا للأخذ بأسباب العلم والقوة والنجاح، وألاَّ يقبل أن يكون مستسلمًا لمن يستضعفه فيصبح ذليلاً، أو خائفًا مرعوبًا منه فيمسي فاسقًا. وكلما قبلنا الضعف والهوان والذل والانكسار كلما استسغنا فرقتنا وقبلنا تشتتنا وبررنا عدم السعى لوحدتنا الحقيقية، فيسهل على عدونا اقتلاعنا من جذورنا ومحو ذاكرتنا وتبديل تاريخنا وانتهاك أعراضنا.

ومع كل ذكرى للإسراء لا مانع أن نأكل الحلوى ونستلذ بحلو مذاقها، ولا مانع أيضًا أن نتذكر حالنا ووضعنا الذى طالما رضينا به دون أدنى محاولة منا لتغييره. فنتذكر جارتنا فلسطين “الأسيرة” والحاضنة للموضع الذى كان إليه الإسراء، والتى لم تعد تُعرَّف الآن سوى بأنها “منطقة جغرافية” فى غرب آسيا وليست “دولة” .. بل مجرد منطقة جغرافية تشمل إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة، والتى تطالعنا وسائل الإعلام عمَّا آلت إليه من أنها لم تعد بالنسبة لهم سوى قضية – مجرد قضية تُدعَى “قضية فلسطين”، لنقرِّر بعدها ماذا أضحت تعنى لنا كلمة “فلسطين”، وبماذا نريد أن نوصفها، وما إذا كانت لدينا الرغبة فى أن ننصفها.

*كاتبة مصرية.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *