التداخل الروائيّ والحكي المتراكب في «العائدون من الغياب» أسئلة الوجود والهويّة والمصير!!..

التداخل الروائيّ والحكي المتراكب في «العائدون من الغياب» أسئلة الوجود والهويّة والمصير!!..

حمزة قناوي*

يُقَدِّم الروائي المبدع طلال مرتضى في رواية «العائدون من الغياب»، مجموعةً من التقنياتِ الفنيّة التي تُوجِدُ حالةً من حالات التداخل الروائي – الملحمي، مما يُلفت النظر إلى السياقات الاستدعائيةِ التي وضعها المؤلف في نصه، ومن ثَمَّ فنحنُ أمامَ حالةِ تداخلٍ نصيٍّ وليس تناصاً، والفارق أن التناصّ عادةً يتكونُ من استحضارِ شخصياتٍ روائيةٍ سابقة، كروايات إبراهيم فرغلي مثلاً التي يستحضرُ فيها شخصيات نجيب محفوظ، لكنهُ استحضارٌ يبقَى ضِمنَ إطارِ توظيفِ الشخصياتِ في المهام ذاتها والصبغة النفسية الاجتماعية ذاتها التي وضعها المؤلفُ الأساسيُ لشَخصياتهِ، وتدور من بعد ذلك الأحداثُ حولَ هذه الشخصيات من دون أن يُسنَدَ لها دَورٌ مُغايرٌ للطبيعةِ الشخصيةِ والنفسيةِ والحوارية التي تمّ إسنادُها من قبل في التأليف السابق، وعليه يُصبِحُ استحضارُ الشخصياتِ السابقةِ نوعاً من الترميز «الشفرة» الخاصةِ التي تمتلكُ مَفاتيحَ مغايرةً عن مفاتيحِ النص، هنا يتولَّدُ شكلُ «الأيقونة» التي ترمز لها كل شخصية عند حضورها، لأنه مع استحضارِ كُلِ شَخصيةٍ يتمُ استحضارُ ما بِداخِلِها من سياقاتٍ كاملةٍ من المفاهيم والتأويل والتشفير.

هذا في مستوى التناصّ العادي، لكننا هنا نتجاوزُ هذا المُستوى إلى مستوى آخر، استطاع المؤلف التفرّد في بنائه، فالشخصياتُ التي يتمُ استحضارُها هنا تأتي لا تُمثِلَّ رمزيةً أيقونيةً كشخصياتٍ مُتناصةٍ يشير إليها الراوي من باب الحضور الرمزي فحسب، بل بخلاف ذلك، نجد الاستحضار في رواية «العائدون من الغياب» يتمّ بكيفية مغايرة، فمنذ البداية يضع المؤلف عتبة نصية معنونة بـ«الشخصيات»؛ يجعل مهمتها التعريف بشخصيات الرواية، وهذا التعريف يتمّ بطريقة لافتة، فهو ليس تعريفاً بشخصيات الرواية التي هي من تأليف المؤلف، وإنما هو تعريفٌ بالشخصيات التي قام المؤلف باستدعائها داخل نصّه، فهناك شخصيّة (مس ماربيل) المحقّقة البوليسيّة التي ابتكرتها أجاثا كريستي، وهناك شخصية (سعيد مهران) بطل رواية «اللص والكلاب» لـنجيب محفوظ)، وشخصية (بيرت) ابنة مدام (بوفاري) من رواية  «مدام بوفاري» لـ جوستاف فلوبير)، و(جان جرونوي) بطل رواية «العطر» لـباتريك زوسكيند، و(كوازيمودو) بطل رواية «أحدب نوتردام» لـفيكتور هوجو، وأخيراً (طانيوس) بطل رواية «صخرة طانيوس» لأمين معلوف، وكل هذه الشخصيات مستحضرةٌ من رواياتٍ أخرى. أما الشخصيات التي هي من ابتكار المؤلف ذاته، فلم يشر إليها ولم يذكرها!

تبدأُ الروايةُ على نحوٍ تقليديٍ، بدايتُها لا توحي بما بداخلها من عملياتِ تَشفيرٍ مُترَاكبةٍ، ومن استخدامٍ فنيٍّ راقٍ وقُدرةٍ على نسج الحكايات وصياغتها، إن أهم ما يسبغ على أي روايةٍ أبعاداً فنيةً مُتماسكةً، هي القُدرةُ على إيجاد منطق داخلي يحكم سرديتها، ويرتب حبكتها، فلا شك في أن عملية نزع الألفة، وإعادة تقديم الواقع على نحو جديد،  يُركّزُ فيه المؤلف على الرسالة الضمنية من ناحية، ويستدرُّ عواطفَ القارئ لكي يشعر بالمتعة والتشويق ويكمل قراءة الرواية من ناحية أخرى، كل ذلك يجعله يبتكر تداخلاتٍ وتراكباتٍ جديدةً، تستدعي منطقاً جديداً من العلاقات والتراكيب، وكلما استطاع أن يحضرَ هذا المنطقُ بقدرٍ من الإحكام، وأن يكون مترابطاً ومتراكباً معاً، تحقَّقت عمليةُ المتعةِ والتَشويق على نَحوٍ أكبرَ من نَاحية، ويتحقق ذلك أيضاً كلما كانت البنيةُ الفنيةُ مُتفاعلةً معاً، ومُوظِّفَةً عَناصِرَها الداخليةَ على نَحوٍ يخدمُ الفكرةَ الرئيسية التي يرغب المؤلف في أن يوصلها للقارئ.

في روايتنا هنا يبدأُ الراوي من مكانٍ ما، من توظيفٍ للواقع الذي نعيشه، والحقيقةُ أن كلَ الروايات حتى لو كانت رواياتِ خيالٍ علميّ هي في النهاية توظيفٌ للواقع الذي نعيشه، لكن البداية التي يبدأ منها الروائيّ، يوظف فيها ما أصبحَ سمةً معاشةً للعصر من طغيان وظلم، من قمع الحكومات واضطهادها للشعوب، من وجود مؤامرات سريّة لا يعرف الناس عنها شيئاً، من مكان مختلط، بين كونه معتقلاً، وكونه مستشفى – أو مستشفى أمراض عقلية – لكنه في النهاية واقعٌ تحتَ سيطرةِ حُكومةٍ ما – أو ربما مجموعةِ حُكومات – المهم أن المكانَ مُبهَم، لكنّ الممارسات معتادةٌ، من كثرة ما صرنا نعرفها من أساليب القمع التي رغم تطوّر وسائل العصر، إلا أنها لا تزال هي وسائل القرون الوسطى ذاتها، ربما لأن فكرة التعذيب وإيذاء الآخر لا يمكن أن تكون فكرةً عصرية بأي حال من الأحوال، قد تتطورُ أجهزةُ التعذيب ولكنها مبنيةٌ على الفكرةِ القديمة ذاتها من الوجع والإيلام.

في هذا المكانِ الغريب، الذي يجمعُ بين المعتقل والمستشفى ومركز الأبحاث، المهم أننا نعلم أنّ كُلَ من يدخلُ هذا المكان هو من الشخصيات التي وقع عليها الظلم والاضطهاد، والتي تستسلمُ داخلَ هذهِ الأماكن لما يتم فعلُهُ بها، فهي شخصياتٌ مقموعةٌ، غير قادرة على المبادرة والفعل. هنا ينجحُ الكاتب في استحضار كامل فكرة القمع والسيطرة على الآخر، من دون أن يغوص في تفاصيل كثيرة، وربما يكمنُ أحدُ مظاهرِ جَمالِ هذه الرواية في قلةِ التَفاصيلِ المتاحة، وترك مساحة حرة يقومُ القارئ بإكمالها في ذهنه، يتلاعب بنا الراوي في هذا المدخل تلاعباً كبيراً! ففي هذا المكان العجيب تأتي «مخلوقة» يعطى لها اسم «الفضائية» لكي يتم حبسها على أملِ استجوابها والتعرّف عليها، لكن يقعُ حادثٌ غريب، بأن تستطيع هذه الشخصية الغريبة أن تخترق الحاجز الزجاجي وتذهب إلى مريضةٍ أخرى قاربت على الوفاة، لكن شيئاً ما غيرَ طبيعيٍّ يحدُث من تداخُلِ الأرواح، فالمريضةُ التي كان من المفترض أن تموت عادت للحياة، والأخرى التي كان يفترض أن تعيش ماتت، ونوعٌ من أنواعِ تبدُّلِ الأرواح يبدو في الأفق أنه حدث بينهما.

المريضة التي كان اسمها (دلجين) أصبح اسمها (حسناء)، وهنا يدركُ الطبيب النفسي الذي يتابع الحالة أن نوعاً من التداخُلِ بينَ الذكريات والحياة حدثَ بينَ جَسد هذه المريضة، وروح الأخرى، ويبدأُ الطبيبُ النَفسيُ المُكلّفُ بهذهِ الحالة في عمليةِ تداعٍ حُر لهذه المريضة الجديدة، التي تتذكر مشهد النيران، التي تنقلنا لأحداثٍ من الذُعرِ والفزع  الذي عاشته، ثم يبدأ نوعٌ من التداعي والاستدعاء، لننتقل من الواقع الذي لا يبدو محدداً، إلى عالمٍ آخر، إلى «مدينةِ الكتب»، ولعلنا نُلاحِظُ التَسمية، خَاصةً أنّ الشخصياتِ التي تم التنويهُ بها من قبل، شخصياتٌ جاءَت من عالم الكتب، وكأن الكاتبَ يَأخُذنا على بِساطِ الريح إلى عالمٍ من الخيال، لكنه خيالٌ موازٍ، خيالٌ قائمٌ على استِدعاءِ السَردياتِ السابِقَة وإعادةِ تأليفِ روايةٍ جَديدةٍ مِنها، وفي نهايةِ الروايةِ سنَكتشفُ بأيّ قَدرٍ نَجحَ المُؤلّفُ في رَبطِ كُلِ هَذا العالم الخيالي – العبثي – بالواقعِ الذي نَعيشُه، والذي هو في النهاية أشدُ عَبثيةً مِمَّا قد يتخيلُ أحدٌ أن يكتبَ عنه، وأشدُ سوداويةً مما قد نَظُن.

في عالمِ الكُتب يبدأُ الراوي/ المؤلف – فهنا من المهم أن نطرح الأسئلة حول المؤلف الضمني –  في تقديمِ حكايةٍ مُختَلفةِ تماماً عن الحكاية التي انطلق منها، لم يقُم المؤلف بالتمهيد إلى أن ما نقرأه هو من فيض التداعي الحر الذي تقومُ به المريضة النفسية التي تعاني اضطراباً في الشَخصيةِ، والتي يُحاوِلُ الطبيبُ النَفسيُّ أن يعرفَ غوامضَ شخصيتها، لم يقدم لنا ما يفيد ذلك، وإنما دخلنا مرةً واحدة إلى أجواء الحكي عبر عنوان جانبي حمل تسمية «مدينة الكتب»، وهناك نقطةٌ أخرى تمنع أن يكون الحكي هنا على سبيل التداعي الحر للمريضة التي ننتظر أن نسمع منها قصتها، ذلك أن الأحداث تجري بصيغة الحاضر، فضمير الراوي هنا لا يتجه للحكي بالماضي، بل الحكي بالاكتشاف، ونسير مع الأحداث بمنظور حكي متعدد، تسيطر عليه نظرة «مس ماربل»، والتي نكتشفُ لها تعددَ أدوارٍ داخلَ الحكايةِ الثانويةِ أيضاً! ونقفُ على مرحلة من مراحل الاضطراب في المدينة، والذي فجَّرَهُ حرقُ دار «الحكيم» وهو رمزٌ أيضاً لا يمكن أن نمر عليهِ من دون محاولة سبر واستكشاف ما يرمز إليه، فذلكَ الحكيمُ الذي لا يُفصِحُ لَنَا المؤلفُ عن اسمِه، هو رمزٌ لكُلِ مُثقّفٍ وكلِ مُستنيرٍ وعالم ومن يمكنُ أن يكونَ سبباً في تَقدُّمِ الشُعوبِ وفي رفاهيتها وفي تطورها، هو نقيضُ كُلِ المُمارساتِ الضَارةِ والسيئة والقيم السلبية والافكار الهدّامة، وهذا المثالُ للعقلانيةِ والقيمِ الأخلاقية، يتمُ قتلُهُ، بل يتمُ التَنكيلُ بهِ بأقصى أنواعِ التنكيل الممكنةِ، عَن طريقِ حَرقِ مَكتبتهِ وكُتُبهِ.

يبدأ طلال مرتضى في رسم هذه «المدينة اللافاضلة» وتوزيع الأدوار، واقتفاء أثر الجريمة، بمعنى أدق يبدأ في محاكمة الواقع الذي نعيشه، عبرَ تعقُّبِ مَظاهرِ الخلل والقبح وإظهارها بصورتها الحقيقية في المدينة المتخيلة «مدينة الكتب»، فهناك نجد قطبين متعاكسين، متمثليْن في (بيرت) وفي (الولي الجليل)، ونلاحظُ الإشارةَ الرمزيةَ إلى اتفاقِ طَرفيْ الخير والشر – من منظور الناس – على قتلِ الحَكيم، جموعٌ من الناس بين ذكور وإناث، متدينونَ وغيرُ متدينين، قاموا بهجمتهم الشرسة على منزل الحكيم وقتلوه – أو قتلوا الحكمة بداخلهم – كلها رموزٌ قابلةٌ للتأويل.

وبمناسبة التأويل، لا شك في أن قارئ أحداث الرواية في مستوى ما يحدث داخل مدينة عالم الكتب سيستمتع بها، حتى وهو يقرأُها باعتبارِ أنَها جريمةُ قَتل نرغبُ في فكِ لغزِها، ويتمُ مع المضي قدماً في ثنايا الحكي توضيحُ أركانِ هَذه الجريمة، لكنّ مستوى الاستمتاع بالحكي قد يختلفُ عِندَما نُحاولُ أن نَقرأَ الأحداثَ المُقدَّمَةَ هُنا بمستوىً تَأويليٍّ مِن القراءة1، والمقصود بالمستوى التأويلي هنا اعتبارُ أنَ كلَ الأحداثِ وكلَ الاستعارات والكنايات التي يتم تقديُمها، تَرِدُ على سبيلِ المثالِ الرمزي، الذي يتوجبُ على القارئ أن يفك رموزَهُ من نَاحية، وأن يستخلصَ العِظة والعِبرة من ناحية أخرى، وأن يتدبَّرَ في هذه المعطيات من ناحية أخرى، وهنا نلمس حنقاً ومرارةً كبيرينِ لدى الكاتب من الواقعِ الذي نعيشه، بقدر ما فيه من تناقضاتٍ وإحباطاتٍ وصراعٍ غير متكافئٍ بين الخير والشر.

كانت النقطة المحيّرة في أحداث اغتيال حكيم مدينة الكتب هي اتفاقُ الجَميعِ على اغتياله، لماذا اتفق قطبا الخيرِ والشَر على ذلك؟ ومع المُضي في ثنايا القصة، وقيام (مس ماربيل) بانتحالِ شخصيةِ سيدةٍ غريبة، واقتحامِها وكرَ الولي الجليل – وهنا يقدم لنا المؤلف صورةً صادمةً عن عالمِ التصوفِ وعالمِ التدينِ بمُجملهِ – ليصبح بديلاً موضوعياً لعالمٍ  نقيض. ومع المضي قدماً، نكتشف أن الشيخ مدّعي البراءة والطهر، ليس أكثرَ من مريضٍ بالسيطرة على العالم، ليس هو ومدام (بيرت) سوى وجهينِ لعملةٍ واحدة.

تأتي الخاتمة على نحو فانتازي، أتصور أن الكاتب استطاع أن يحشد فيها عناصر فرادة هذه الرواية وبراعته الواضحة في إبداعها، وبنائها المُحكم، حيثُ تقومُ الخاتمة بربطِ جَميعِ النقاطِ السابقة معاً، عن طريقِ الإيحاءِ ومن دونَ تَأكيدٍ لشَيءٍ أو نَفيٍ لآخَر، فنحنُ نُخمِّنُ أن الفتاةَ التي اقتيدت لهذا المكان المجهول في بداية الرواية، والتي ماتت وتركت روحها في جسدِ الفتاة الأخرى، هي (حسناء) التي حملها أحدب نوتردام إلى خارج الحريق، وتركها على مشارف البلدة، ونُخمِّنُ أنَّ الكتابَ الذي حمله هذا الأحدب إلى السيدة الغريبة، التي هي (مس ماربيل) في النهاية، هي عنوان الرواية ذاتها، والتي ترمز في عنونتها إلى استحضار هذه الشخصيّات من بين أمهات الكتب – مدينة الكتب – ثم تأتي المفارقة الرمزية، بأن المُكوّن السِريّ الذي كان يعكفُ عليهِ الوليُ الجليل مع القاتل (جان جرونوي) والذي تم تسريبُهُ للهواء، هو فيروس كورونا. وتنتهي الروايةُ على مشهد القلقِ العام الذي نعيش فيه جميعاً بهذا الفيروس الذي خيم على الحياة البشرية، والذي لا نعرف إن كان فيروساً طبيعياً، أم مُخلَّقَاً مخبرياً من خيالِ شَخصٍ مَريضٍ يحلُمُ بالسيطرةِ على العالم، والطريفُ أن كلَ أحلام السيطرة على العالم مصحوبةٌ باختراعاتٍ مُدمرةٍ للعالم، لنعود من جديد إلى سؤال القلق والوجود والمصير الذي نعيشه، بعدما مررنا برحلةٍ طَويلةٍ مِن المتعة والتفكّر، وتركيبِ الأحداث والمعاني والرموز معاً داخل ثنايا النص، لنصبح أمامَ سُؤالٍ أكثرَ وجعاً وإيلاماً: ماذا علينا أن نفعل في الواقع الذي نعيشه وكيف نتعايش معه؟ وكيف يمكن أن نستفيد من صوت الحكمة والعقل؟ كيف نجعل الحكيم هو مَن يسود برأيه وقِيَمِه وليس الممسوس بجنون العظمةِ، الطامح إلى السيطرة على الواقع والعالم؟

*شاعر وأكاديميّ مصريّ.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *