الخديعة!!..

الخديعة!!..

د. نيفين حسن*

هل نضع فى حسباننا أن أحدهم يومًا يستطيع خداعنا؟

أم هل نتصور أنفسنا دومًا على درجة عالية من النباهة والنصاحة تعوق خديعتنا؟

هل نعمل حساب رد فعلنا إذا تم خداعنا يومًا؟

أم أننا دائمًا نتعامل مع الآخرين بحسن نية ولا نتوقع على الإطلاق أن نكون يومًا مخدوعين؟

أن تكون مخدوعًا ليس سمة ملازمة لأى شخصٍ منا أو صفة دائمة يتصف بها فتصبح مميزة له؛ بل خديعتك إن تمت بنجاح فهى مجرد حالة وقتية تمر بها سواء من قام بخداعك كان فردًا أو مجموعة أفراد أو هيئة أو شركة أو مؤسسة.

والخداع لغويًا هو الغش والتدليس والنصب والاحتيال، وهو ليس دائمًا بسبب ذكاء الخادعين أو غباء المخدوعين، بل أحيانًا تكون الخديعة هى إثمنا نحن لا من خدعونا، وإثمنا هذا لا يعنى انخفاض درجة ذكائنا؛ بل هو بالأحرى ناتجٌ عن ميلنا نحن لتصديق ما هو كاذب أو وهمى، واستسلامنا وجدانيًا ومن ثمَّ عقليًا لما أوهمنا أنفسنا أن ظاهره الحسي حقيقي بينما هو خيال محض أو ضلال مُزَيَّن لنا.

أحيانًا تخدعنا المظاهر .. فهل من الصواب أن نلوم المظاهر على خديعتها لنا؟ أم من الحكمة أن ندرك ما بداخلنا من ضعف جعلنا مُستمالين ومنجذبين إلى بريقٍ كاذب و لمعانٍ زائف؟!

إن الخروج من مصيدة الخداع يبدأ بنا لا بالآخرين .. يبدأ عندما نفكر فيما نراه ونسمعه .. ويبدأ عندما ندقق لمعرفة ما هو من الحقيقة وما هو من الباطل، وعندما نَفحَصُ البدائل والنقائض للمفاضلة أو لنتبين النافع منها والضار.

إن الاختيار فى النهاية بيدنا نحن .. وليس مفروضًا علينا على الإطلاق أن نقع دائمًا فى مصيدة الخديعة، أو أن تكون هى الشَرَك الذى نستكين له مُسَلمين بجبروته علينا وهزيمتنا أمامه.

وإن كانت الدنيا هى ذاتها غرورة ومخادعة ومراوغة، فلتكن حياتنا فيها تليق بقدرتنا على تحقيق الانتصار على مفاتنها وعدم الانقياد الأعمى وراء الحصول على أكبر قدر من زينتها الفانية.

إن الدنيا لا تخدع من يُغلِّب منفعته على رغباته وهواه، بينما تأسر فى سجنها من أطلق العنان لشهواته ونزواته وغرائزه دون قيدٍ أو شرط. وعادةً من تأسره الدنيا ويقع فى شراكها لا تطلِق سراحه بسهولة بل تتشبث بفريستها حتى النهاية بين أنيابها فإما أن تقضى تمامًا عليها دون رحمة، أو أن تُلقِى بها بين الحياة والموت على حافة طريق الحياة بلا قدرة على الحراك.

إن المقاومة هى السمة التى تميز بين البشر بعضهم البعض .. ولأنها تزداد صعوبة بازدياد القوى التى تقف أمامها وبتنوع مصادرها، فالتمسك بها غدا فى كثيرٍ من الأحيان من المحال، ولكنَّ البطولة ليست مقرونة بزمانٍ محددٍ أو مكانٍ معينٍ بل هى قرينة الإنسان فى أى وقت وأى مكان، ولولا صعوبة مغامرة الحياة وفداحة مشقتها لما كان للانتصار معنىً ولما كان للفوز مذاقٌ خاصٌ جدًا!

لذا تعالوا جميعًا نخوض مغامرة الحياة بشجاعة، ونقاوم قدر استطاعتنا السحر الفاتن لزينة الدنيا المخادعة، و نضع دائمًا فى حسباننا أننا نستحق أن نكون أبطالاً لا أن نستسلم طواعية لمكر الخداع أو أن نُسلِّم كلية لقهر الغواية.

* كاتبة وباحثة مصرية.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *