الشعر الصامت.. وبلاغة الألوان!!..

الشعر الصامت.. وبلاغة الألوان!!..

طلال مرتضى*

ثمة عوالم خاصة لا يمكن لأحد تجاوز أسوارها الشاهقة, قبل الالتفاف حول مكامن مفاتيحها المخبوءة ضمن متواليات متصلة منفصلة, متصلة بسلطة الدلالات اللونية العميقة بين مربع فني وأخر, ومنفصلة من حيث تباين الأفكار المتبدلة والتحولات التي تسهم مخيلتي المتلقي لالتقاطها ضمن كل إطار فني, ليصار إلى نسج خيوط  مدلولاتها على شكل حزم قابلة للانزياح أو المقاربة لتستحيل في نهاية المطاف القرائي إلى خطوط عريضة يمكن أن نستنبط منها قصص تقارب الواقع واستبطان ما تكننه تلك القصص التي تم بناؤها في المخيال لتكون فاتحة أولية لفك طلاسم وأكواد تلك العوالم اعلاه..

قبل فتح باب الكلام على مصاريعه والدخول إلى عمق المفاتن اللونية للتشكيلية البوسنية النمساوية (ندى نادج Nada Nadj) لابد من وقفة أولية ومتأنية ليتاح للمتلقي ترتيب جدول حساباته القرائية والتي يصار من خلالها مقاربة انعكاس الرؤى مع واقع مرئي يمكن ملامسته أو معايشته..

تتطلب أعمال (ندى نادج Nada Nadj) ذاكرة متقدة ونشطة قادرة على ربط مجموع الدلالات في حزمة واحدة لاستشفاف كل ما يدور من حراك على سطح القماش ورصد الإشارات المتحولة منها والثابتة بين كل بؤرة لونية إلى أخرى..

فلوحتها أقل ما يقال عنها عنيدة, فهي لا تسلم مفاتيح قيادها لمتلقي عادي, بل تبحث عمن يجلي عنها كاهلها فالظلال المحيط بعوالمها والذي يمتد إلى مساحات واسعة في محاولة منه لمحاصرة ينابيع الضوء التي تم تعميتها عمدا..

وهذا ما يربك المتلقي الذي قد تتوه بوصلته القرائية ليذهب إلى التأويل الخاطئ والذي يتكئ  به على دلالة اللون, وهنا يضيع المعنى الحقيقي, حيث يتم استقراء اللون الأحمر في موضعه من العمل على أنه حالة احتضان لحب مشتعل مستقر في قعر اللوحة بحكم التراكمات اللونية الأعلى الذاهبة للقتامة والتي مزج الأبيض مع محلول الأسود, وهنا يتجلى الكسر القرائي من حيث أن العاطفة الجياشة والحب في التشكيلات اللونية الفنية تذهب نحو الأعلى لتتحول من حال الطفو لخفتها ورهافتها إلى حال الطمي الذي قد يغرق كل الهالات والشوائب ضمن مدارك اللوحة الفنية..

وهذا ما يجعلني أقول, إن مدلول اللون على سطح القماش لا يمكن أن تكون قراءته صحيحة إلا بعد أن تتم دراسة تموضعه المكاني..

ثمة من يقول أن هناك كثير من العواطف والأحاسيس (الحب) تبقى مكبوته ولا يستطيع الفنان تفجيرها أو إخراجها علانية, بل يلجأ إلى تركها في متون سطح القماش على شكل لطشات تخادع عين المتلقي يقوم هو بالاختباء وراؤها, وهذا صحيح بالفعل ولكن قبل أن نجزم بصحة هذا, أولا علينا أن نحدد كل دلالات الألوان المحاذية والوقوف معطياتها, فلا يمكن أن نسمي أحمر قاني أو فاتح, كثافة عاطفية وهو محاضر ضمن مدارات لونية لا تسمح للنور الوصول إلى نقطة ارتكاز هذا الأحمر..

بصراحة مطلقة أقول, إن قراءة التجربة الفنية ل (ندى نادج Nada Nadj) هي أشبه بمخاض ما قبل الولادة, فالكشف السهل يضيع خطوط العمل التي قصدت وعن سابق علم على رمي فكرتها في بطن المربع الأبيض والذي أشبهه بالرحم, لتترك للأخير حرية تأويل تلك الفكرة (ذكر أم أنثى) هذا بعد أن تغرقه بكثافات لونية تقوم بإرباكه إرباكاً حقيقية حين يحار في الانحياز والرضوخ لوجع المخاض (انبلاج الفكرة وجلاء تعميتها) وبين جمالية الولادة الجديدة التي تنحاز للضوء على حساب الظلال..

(ندى نادج Nada Nadj) امرأة مسكونة بعالم من المتناقضات الهواجس على مدارك لوحتها, فألوانها لا تشي بمدلولاتها المتعارف عليها, فيمكنها أن تتخذ من (صفاء الأصفر) حالة عاطفية جياشة ومن الأسود المسكون بظلامه انعكاس ضوئي يثري لوحتها قرائياً, كل هذا لتشكل علامة فنية فارغة يتسم بها الخط الفني الذي تنتمي إليه, فهي بذلك أسست لنفسها منهجا خاصاً قامت من خلاله بنقل كل اندفاعاتها وهواجسها من مخيلتها إلى سطح القماش وذلك من خلال تلك التوزيعات اللونية المدروسة بدقة والتي تكنه في تفاصيلها أشياء لا يمكن أن يتفق عليها قارئ فني مع أخر, من باب أن كل واحد يتلمس ارتداد دال العمل الفني وانعكاسه الضوئي عليه هو (أي الشخص القارئ) بوصف اللوحة هي المرآة التي يمكن أن يرى من المرء من خلالها وجه الذي لا يشبه أي وجه أخر.

وبإيجازٍ  أقول, أن الأفكار التي طرحتها (ندى نادج Nada Nadj) والتي تلاعبت بدلالاتها ومعانيها لا تحتاج فقط إلى قوة بصر لفك شيفراتها بل لإعمال البصيرة أيضا وهكذا يستطيع القارئ الغوص عميقا في المكامن للوقوف على الحالة التعبيرية الحقيقية والقبض نبض الفكرة والتي ستصير فيما بعد ملك يمين له.

بطاقة:

الفنانة: (ندى نادج Nada Nadj). وصلت النمسا وهي في سنواتها الأولى, وعلى الرغم من صغر سنها إلا أنها استطاعت الاحتفاظ ببعض تصاوير حرب بلادها (البوسنة) والتي دفعت بها إلى هنا. شاركت في العديد من المعارض الفردية والمشتركة في أوربا.         

* كاتب عربي/ فيينا.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *