الكتابة بضمير الفرد المؤنث!!..

الكتابة بضمير الفرد المؤنث!!..

أطلس حاضر*

حين يتناول النقد العربي كتابة الشاعرات، يستعمل غالبا عبارة “الشعر النسوي” حاصرا هذه الكتابة في جنس أو نوع كاتباتها، كما لو يفترض أن للكتابة أجهزة تناسلية تميز بين شعر ذكري وشعر أنثوي. الكتابة كتابة، والشعر شعر لن يسعف جنس كاتب بالضرورة في تحديد شعرية وسبر آفاق جمالية، اللهم إلا كنا نقارب هذا المتن الشعري برؤية ما بعد قاسم أمين، حيث كان” الأدب النسوي” يتأطر برؤية المرأة التي ولدت بالكاد في الحقل الأدبي العربي وتحاول فرض الذات /النص/ الجسد في ثقافة تمارس الوأد الرمزي عليها.

كتابة الشاعرات تجازوت الآن الخطاب الإيديولوجي للنسوية وتخلصت من مانوية الذكر/الأنثى ودخلت الى القول الشعري، كاملة الأنا، ممسكة بكل آليات الإبداع والخيال، فاتحة لآفاق جديدة للشعر، محاورة للشعر من داخل الشعر، مفكرة مسائلة للغته ومآلاته، خالقة لفضاءات جمالية غير مسبوقة. الشاعرات من خلال تجارب عديدة يفكرن وهن يكتبن، ورؤيتهن لكيانهن فارقة ومتخطية لكل حمولات النسوية القديمة.

في رأيي، وهذه رؤية ذاتية، من يكتب يتأطر بالصرح الأدبي الذي ينتمي إليه، شعر القرن 21 على مستوى المجال الثقافي العربي أو المكتوب بالعربية يتموقع -النماذج هنا يفرضها المقام والمقال، مثلا لا حصرا- بعد محمود درويش الذي أعاد النظر في رؤية الشعر العربي للمرأة، ومحمد آدم الذي أعاد النظر في الجسد برؤيته عن الجسدانية.

في ديوان “سرير الغريبة” قام محمود درويش بشيء مهم، حيث حاول     -ونجح في ذلك- قطع الخط الذي رسمه نزار قباني للغزل والمرأة.
إذا كان قباني يقدم نفسه في أشعاره كخبير عارف بالمرأة/ الموضوع وجسدها و نفسيتها يجلو للقارئ أسرارها ورغباتها، فإن درويش يبدو كفيلسوف يحاول أن يفهمها كذات ويتساءل بها وفيها ومعها حول الحياة والكينونة. الشاعر غريب والمرأة غريبة، لا أحد يفهم أحدا والحل:
“فلنكن طيبين”.

محمد آدم، منذ نشيد آدم إلى نشيد الجحيم، بلور جسدانية يصير فيها المقدس مدنسا والمدنس مقدسا، واضعا الجسد خارج ثنائية الروح والجسد والذكر والأنثى، وأصبح الجسد/ الذات كُلا، بنزواته ورغباته واعتواراته واكتمالاته، و مركزا للوجود.

اعتقد أن الشعر غير ممكن في ما قبل هذا المدى، وينبغي له شاء أو أبى أن يستكشف بناء على ذلك وخارجه فضاءات جمالية أخرى لم تنتهك بعد، هنا الآن، وأن يبدع كما أبدع الشعراء الذين سبقوا، لا أن يكرر ويتأطر في ما كتبوا.

أرى أن الكتابة بصفة عامة إطراد وفي نفس الوقت عود أبدي لبدايات لامتناهية. يأتي جيل يتموضع في فضاء جمالي معين -مع وجود فوارق واستثناءات- يستنزفه حتى نعتقد أن أي كتابة جديدة صارت استحالة، فيبزغ جيل آخر بفضاء آخر يستنفذه كذلك حتى نشعر أيضا بنهاية الكتابة. وهكذا، هدم و بناء فهدم وبناء لا ينتهيان. وهذا التداول والتعاقب والتجاوز ما يجدد الأدب والرؤية والوجود.

الشاعرات ينتمين الى هذا الصرح الجمالي والإنساني بلا ميز أو تصنيف أو تجنيس.

وإن ألقينا نظرة على ما يجري الآن، نلاحظ أن الكثير من نصوص الشاعرات يتمحور حول الحقل المعجمي التالي:

ساق بض، نهد غض، شفتان، شبق، قبل، خصر، حضن، قارورة عطر، رمش، عين… هنا المرأة تقدم نفسها كموضوع للرؤية وليس كذات فاعلة في التاريخ، والحقل الدلالي الآتي:

بكائيات، استرضاء، مازوشية طوعية، الجسد كاستيهام وليس كتجربة، كيان لا يخرج من جسده، جسد يغرق في التسامي، تغزل بذكر شرقي بائد واعتباره أفقا للتلقي.

اعتقد أن هذا التوجه في الكتابة استبطن تراث الغزل الذكوري المهيمن في الزمن واللغة، و لم يستطع التحرر من النظرة الاستيهامية للجسد التي طبعت الشعر القديم (الجاهلي والأموي والعباسي). ربما يكون الشعر الأندلسي أكثر منه تقدما في رؤيته وشعريته. مثل ذلك غنت اسمهان “روحي وقلبي وجسمي وعقلي وجمالي في يدك”، في زمن المملكة المصرية، مع أن تجربتها الحياتية من خلال ليالي الأنس في ڤيينا كانت أكثر تحررا مما جاء في قصائد الشعراء الذين كتبوا لاشعورهم الشرقي المتملك النافي في أغنياتها.

الناقد والكاتب المغربي عبدالفتاح كليطو في إحدى دراساته عن الشعر القديم، توقف متأملا غرض الغزل، وبين أن الشاعر القديم كان يتغزل بالغزل ذاته وليس بالمرأة كتجربة إنسانية. أي ان التعبير الشعري كان شكلا من أشكال الاستيهام بالجسد والمرأة، غائبة في الواقع حاضرة في خياله وبشكل نسبي في عالم القصور المغلق كجارية.

الشاعرات المغربية زكية المرموق، الجزائرية عنفوان فؤاد، المصرية رضا أحمد، السورية دارين زكريا والتونسية سامية الساسي يمثلن حالات مهمة من بين أخرى تؤسس لكتابة شعرية تتخطى النظرة التقليدية للمرأة والشعر والكينونة. شعريتهن تنبثق من خيال حر جامح يهتك بعنف الخيال الذكوري المتجذر في لاشعور الأدب، والمطبوع بالمحافظة والدم وأوهام القبيلة والعنتريات. لعل شعرهن يخلق لوجودنا آفاقا للسلم والجمال والإنسان أخرى واعدة.

هذه الشتلات بينات مبينات:

****

حبك

حبّكَ طفلٌ يحبو

يجرّ العالم وراء قدميه

و يتتبّعُ خطوات أمّه الحياة

حبك.. التفاتةُ الزّمن

على نفسه كلّ حين

ليؤكّد لساعاته بأنّ

القيامةَ لم تقم بعدُ من جلستها

فيطمئنّ قلبُ المجراتِ

حُبّكَ.. سفرةُ المكان إلى ماضيه

ليتعرّفَ على تاريخ نمّوه

من العصر الحجريّ حتى الآن

حبّك.. عدم ندم الشيطان على عصيانه

الذي أنزله من الفردوس

بل وفرحتهُ التي لا يمكن وصفها

حين يكفّر صديقه ابن آدم

وينسيْه إخراجَ الكفّارة

حبّك.. ارتداد طرف سليمان

وفرحةُ بلقيس بنبيّها

حبّكَ.. الإثم والمغفرة

بل هو فزعةُ السّماء لي

حين رأتني دوني.

دارين زكريا

***

زهرة اللوتس

ليس للحب علاقة بالملصقات الساكنة في الجسد

كالعين والقلب وبراعم النهد

وشبكة التفاعلات الشائكة بين الشفاه

وتقلصات الرحم،

للحب تأثير زهرة اللوتس؛

كل شيء يكمن في الخفة

في صميمك لا تجعل أي شيء يفسد وهج روحك

ونظافة مساحتك الشخصية؛

ألق بذورك في الوحل

وكن على ثقة أنها تعرف طريقها إلى النور

وإليك

كصخرة كبيرة تندفع خلفك ستأتي

كباخرة تتخبط في أدخنة سجائرك ستنحاز

في النهاية لصدرك

كفم أعصار يلتقط فتاتك ستجلب لك ذاكرتك

كاملة ومؤلمة

كسريان سم يذوب في دمك منذ البداية

لن تعرف ﺃيًا من أعضاء جسدك قام بلدغك

أولا

خان ثقتك

وتركك تتلف ببطء

بلا ارشادات استخدام أو ورقة تحذير

كمحنة يجب أن تشكرها

ستمضي معك في صلاتك

وقيامتك

لا أظنك ذاهبًا إلى الجحيم بدوني يا حبيبي!

رضا احمد

***

شَعْرةُ العجينِ

كيفَ أُفسّرُ لرجُلٍ يُسرّحُ شَعري بأصابعِه ويُغنّي

أنّني أَخافُ المِشطَ؟

كيفَ سأجعلُ شاعرًا يُصدّق أن رائحةَ التوت الأسود التي يحبُّ في شَعري

خرافةٌ ورثتُها عن جدّتي التي ماتت بجدائلها السمراء.

وعلّمتني أن الشِّعْرَ

كما الشَّعر،

من يدٍ إلى يدٍ يموتُ.

والموْتُ يُفسدهُ السّوادُ

كيفَ أُقنعُ رجُلاً يتهاوى كلّ ليلة، كطفلٍ، في حِجري

أنّ الخيوط البيضاء الرّفيعةَ، التي تتقطّع في كوابيسهِ،

ليست جسْرًا.

هي خصلات شَعري التي تتساقطُ فأجمعُها كلّ صباح،

من المغسَل،

من الحائط،

من العجين،

من لُعاب الأدوية،

من غبشِ الصّوَر،

من المعاطف القديمة،

من كتبٍ لم تعدْ كتبًا،

قبْل قُبْلتهِ بقليل.

وأحتفظُ بها في مخدات الصوفِ تحتَ خدّه،

في حقائب القماشِ الملوّنة،

وفي جذع المشمشةِ تحتَ رِجلهِ.

كيفَ إذن؟

كيفَ لرجُلٍ ينامُ الآن ملْء رأسه، بلا كوابيس، على ركْبتي النحيلة

أن يصدّق أنّني قد أموتُ صلْعاءَ غدًا.

بلا مِشطٍ،

بلا شيْبةٍ واحدةٍ،

يسحبُها من بيْن أصابعه

وتَسْحبُني، وحيدةً، أسفلَ الجسرِ في كوابيسهِ

كشعْرةٍ تقطّعت، خطأً،

وسط العجين.

سامية الساسي

***

الوقت سكير يتبول

بصوتك تثمل السعادة

تنسكب في كأس الكلام

أشربك

كلمة كلمة

والوقت سكير

يتبول بين ساعة وساعة..

لا نحتاج ههنا

فارزة معنى

أو أن نلقي بحجر الفراغ

في بركة الصمت!

كي نسكر السعادة

علينا بقرع الجسد للجسد

ورفع كأس اللوعة عاليا

فالساعة الواحدة

بتوقيت العشق

لن تمر سالمة

من يوزع بعد الآن

 60 دقة على 60 باب على 60 صدر على 60 نص

على 60 كلمة على 60 لوعة على 60 …

بعد اليوم

على الثمالة أن

تتعرف على خمرتنا

أن تترنح قبل لمسنا

أن ترجنا في بعضنا

ببعضنا

تفرغنا على بعضنا

لا من بعضنا

وما رغوة الشبق

سوى كلمة سقطتْ

للأعلى.

عنفوان فؤاد

***

أنتظرُكَ في قصيدة

خذني إلى أقصاي

كي تندلقَ الخمرةُ التي صدئتْ

على شفتي .

خذني بعيداً عن شرقٍ

يلوّنُ بالليلِ النهارَ

يدسُّ الرملَ في عينِ النهر

ويقولُ للماءِ: الأصلُ تراب

فعدْ إلى منفاكَ

النهايةُ أيضاً ترابُ

والطريقُ بينهما حقلُ ألغام .

خذني بعيداً عن شرقٍ

لا يعرف من الجنّةِ إلا الأرائك

استدارةَ الحورِ

ومكرَ التأويل .

أنا لم أتعلم كيف أخبئُ قلبي

تحتَ الوسادةِ

ولا كيف أعلقهُ على الجدران

فهل تنامُ الجدران ؟

كيف التقينا خارج وعي المكانِ

لنتبادل الصمتَ بما يليقُ بالمجازِ ؟

نحن اللذان ضمّتنا لوحةُ

شرّدنا ضبابُ .

أيّتها السماءُ

هل نحتاجُ تأميناً على الأحلامِ

والحبُّ لا يحتاجُ تذكرةً إلى الحياةِ ؟

أتجاوزُ إشاراتِ المرورِ بإشاعاتٍ

وقصائدَ ممنوعةٍ

أتنقلُ بين مطبّاتِ اللغةِ

ولا أتبعُ إرشاداتِ العلبةِ الصوتيةِ

فأنا لا أجيدُ التجنيسَ

وأقولُ لشرطةِ النوعِ التي تقفُ

بيني وبين النصِّ

تعالي نتقاسم هيروين الكلام

ونفكرُ في تبييضِ أفكارنا المهربةِ

على جثثِ القواميسِ

ونتيهُ في الأثيرِ

فبعض الشذوذِ ليس إثماً

كما يدّعي حراسُ القشورِ .

أدخلُ إلى الليلِ دون أن آخذَ

إذنَ النهارِ .

أنا قاتلةٌ متسلسلة

أتربصُ بالخطوطِ وأمحوها من سقفي

بنشوةٍ عاشقة

أتركُ عطري في قفصٍ

حتى لا يُقالُ إنها الجريمةُ الكاملة

فأتهمُ بحيازةِ العشبِ

في زمنِ الرمادِ

أنا القادمة إليكَ من ليلٍ ناشفٍ

أقولُ للبحرِ :

لا تمنحِ الغرقَ للعبورِ

المحارُ ليس من حظِّ الموتى .

أنا القادمة إليكَ من ضوءٍ أعمى

أقولُ للنوافذِ :

لا تطعني الستائرَ من الخلفِ

ارتكابُ الحياةِ خلفَ الأبوابِ

خيانة للحبِّ .

هذهِ أنا ..

أسدُّ حججَ الريحِ بصوتِكَ

أهشُّ عن شباط الأزرق بليالي

الأندلسِ

وأسبقُ الليلَ إليكَ

تعالّ ..

أنتظرُكَ في قصيدة.

زكية المرموق

اللوحة: للنمساوية ندى نادج.

* كاتب مغاربي.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *