الواقعية أو مذهب الحقائق!!..

الواقعية أو مذهب الحقائق!!..

د. يسري عبد الغني*

      

الواقعية في الفلسفة مذهب يقدم الرؤى أو المشاهدات الخارجية على المدركات الذهنية .

       وفي المعرفة يراد به بوجه خاص أن للمعاني والكليات وجوداً مستقلاً عن الذهن ومن أوضح صوره مثل أفلاطون .

       وفي الأدب هو: مذهب يعتمد على الوقائع ، بتصوير أحوال المجتمع على ما هو عليه . 

       نقول: إن الواقعية مذهب أدبي كان معاصراً  لمذهب البرناسية أو الفن للفن ويقوم على أن يتحدث الكاتب عن تجارب تتناول المشكلات الاجتماعية في عصره ، ويعالجها في إبداعه الأدبي ، سواء كان هذا الإبداع : قصيدة ، أو قصة ، أو أقصوصة أو مسرحية .

       وعلى الكاتب أن يستمد شخصياته من الطبقة الوسطى ، ويتحدث عن آفاتها التي قد تقوض المجتمع ، وتهدده بالاضمحلال , أو يستمد هذه الشخصيات من طبقة العمال أو الفلاحين ، ويتناول مشاكلها , وما قد يقع عليها من جور أو عسف أو مهانة .

       فالواقعيون يتناولون حقائق تنتشر بين الطبقات الفقيرة  الكادحة أو المعدمة , ويصورون السلبيات والشرور والآفات التي تنتشر في المجتمع من أجل تلافيها ، وتخلص المجتمع منها , من أجل صالحه .

       وعلى الكاتب الواقعي أن يبدي ملاحظاته بعد أن يقوم بجمع الحقائق التي يختارها من الحياة المعاشة ، والتجارب التي تعبر عن هذا الواقع يجب أن تكون في صورة علمية مدروسة ، وليست في صورة عشوائية .

       وفي نظرة الواقعيين إلى الطبقة الوسطى اختلاف عن نظرة الرومانسيين ، فعلى حين كان الرومانسيون يدافعون عن الطبقة الوسطى التي هضمت حقوقها على يد الأرستقراطيين ، اختلف الحال بعد أن أخذت هذه الطبقة حقها ، وتقلدت زمام الحكم في معظم بلاد الدنيا ,فعاثت في الأرض فساداً .

       ولعل هذا ما دفع الواقعيين إلى الهجوم على الطبقة الوسطى ، منبهين الناس إلى ما أحدثته من شرور ومظالم وآفات ، وقع أثرها على العمال والفلاحين الذين نالوا الكثير من الظلم ، مما جعل ذلك محل تنبيه دائم في أدب الواقعيين .

       ففي الوقت الذي شن فيه الواقعيون هجومهم على الطبقة الوسطى ، حاول الواقعيون أن ينبهوا على مشكلات العمال والفلاحين ، والحث على ضرورة إعطائهم حقوقهم كاملة غير منقوصة .

       وأول من تأثر بالاتجاه الواقعي في الفن ، هو الرسام / كوربيه (1819 م ـ 1887 م) ، فقد دعا إلى الواقعية في الرسم أو في الفن بوجه عام ، وبين أن الرسام يجب أن يسجل مشاعره في إطار المجتمع ، فالفن تعبير عن المجتمع ، من أجل المجتمع .

       ونقل دعوة (كوربيه) من المجال الفني إلى المجال الأدبي ، صديقه (شانفلودي) في مقالات نشرها ، في سنة 1857 م ، تحت عنوان : (الواقعية ) .

       ثم بلغت تلك الدعوة ذروتها على يد (إميل زولا) ، الذي وضح معنى التجربة في الأدب ، كما أوضح أن الكاتب عليه أن يربط بين أحداث الطبيعة ربطاً ترتيبياً ينتهي إلى النتيجة التي ينشدها ليعبر عن بعض القيم الاجتماعية ، ويسيرها إلى الأفضل نحو خير المجتمع ، وحل مشكلاته , وتخلصه من الجرائم ، والشرور , بعرض أسبابها ، وطرق علاجها .

       وفي القصة التي تعتمد على التجربة الواقعية ، تورد الأحداث دون شرح شخصي , المهم هو عرض الحقائق الموضوعية ، وترك جوانبها أمام المجتمع والمهتمين بقضاياه ومشكلاته من أجل أن يستنتجوا منها ما يفيد المجتمع ككل .

       وهذا الاتجاه الواقعي يبتعد عن المبالغة في العناية بالأسلوب ، ومهمته الأولى هي ترتيب الأحداث ، والتعبير عنها تعبيراً منطقياً .

       وبجانب الواقعية الأوربية كانت تقوم الواقعية الماركسية أو الاشتراكية ، التي تختلف عن الواقعية الأوربية في أنها قد تزين بعض المواقف ، وتزيفها اتجاهاً إلى التفاؤل ، معتمدة على ما يمكن أن نسميه البطل الإيجابي , وكأن الحياة لها جانب واحد هو الإيجاب بعيداً عن أي سلب .

       وفي رأينا المتواضع أن الالتزام بهذا أضعف الأدب الروسي الذي كان ينفذ إلى قلوب وعقول الناس في كل مكان ، لأنه كان أدباً إنسانياً في المقام الأول ، يعبر عن جميع الناس وبالذات العاديين والمطحونين والمنهزمين والمنكسرين والضائعين .

       إن الواقعية الماركسية عكس الواقعية الأوربية التي كانت تصف التجربة كما هي أو على ما هي عليه ، حتى لو كانت تؤدي إلى التشاؤم الذي لا أمل فيه .

ومن هذا نعرف أن الأديب أو الشاعر في الاتجاه الواقعي له رسالة اجتماعية , وأن للأدب دوره الفاعل في حل مشكلات ومعضلات   المجتمع ، وبهذا فإن موضوع الرواية أو القصة أو الشعر الغنائي أو القصصي أو المسرحيات، هو واقع المجتمع ، أو فلنقل: أحداثه ووقائعه ، بحيث لا يظهر الأديب ذاته ، أي عليه أن يبعد عن الذاتية المحضة ، وينشغل كل الانشغال بمسائل مجتمعه . 

       وفي عام 1535 م ، انتشر هذا المذهب الواقعي بين الأدباء في فرنسا ، وكان له صدى واسع في الآداب العالمية بكل أنواعها من قصة ومسرحية وشعر .

       و يحلو لبعض النقاد العرب أن يذكروا في كتاباتهم إن نشأة الواقعية في الأدب العربي الحديث كانت نتيجة تعدد الثقافات ، وتحقيق المزيد من الاتصال بالثقافة الغربية , وأثر ذلك بشكل كبير في شعراء المدرسة الواقعية الجديدة أو مدرسة الشعر الحر .

 ويقولون لنا: أنه لا يجب أن نغفل الشاعر والناقد الإنجليزي الأمريكي / توماس سترن إليوت (1888 م ـ 1965 م) ، الذي أثر تأثيراً كبيراً في أشعار هذه المدرسة .

       ومن شعراء الواقعية الجديدة : نازك الملائكة  الشاعرة العراقية ، حيث كتبت مقدمة ديوانها (شظايا ورماد) ، سنة 1949 م ، متحدثة عن هذا اللون من الشعر ، واضعة له قواعد يسير عليها ومن ثم أعلنت ريادتها للشعر الجديد منذ ذلك التاريخ .

       ثم تأكدت هذه الريادة بكتابها (قضايا الشعر العربي) سنة 1962 م ، وإن كانت قصيدتها (الكوليرا) التي كتبتها عندما كانت في زيارة لمصر عام 1947 م، ورأت ما يفعله الناس عندما تفشى وباء الكوليرا في البلاد وهذه القصيدة تعد في مرحلة المحاولات الأولى لهذا الاتجاه وقد عادت ونشرتها في ديوانها (شظايا ورماد).

       ولكن هذه المحاولة التي كتبتها نازك كغيرها من المحاولات والتجارب ، لم تكن واضحة تماماً في أذهان أصحابها من الشعراء ، يمكن أن نقول إنها ظاهرة ، ولكنها ظاهرة لم تتضح قواعدها أو أسسها التي من الممكن السير عليها ، بل كانت كالمحاولات والبوادر الأسبق في شعر المهاجر ، ولدى شعراء أبوللو الرومانسية ، ومحاولات على أحمد باكثير في ترجمته مسرحية (روميو وجوليت) لشكسبير ، سنة 1937 م .

       وتعددت تسميات بواكير هذا الشعر بين : الشعر المرسل ، والشعر الحر , والشعر المنطلق ، والشعر الجديد , والشعر الحديث ، والشعر المغصن ، وشعر التفعيلة..

وأخذ هذا النسق الشعري يشيع وينتشر ، وتتحدد تسميته ما بين الشعر الجديد ، والشعر الحر وشعر التفعيلة ، حتى اكتمل شعر الجيل الأول لهذه المدرسة الجديدة من الشعراء : بدر شاكر السياب ، وعبد الوهاب البياتي  في العراق ، وعبد الرحمن الشرقاوي ، وصلاح عبد الصبور ، وأحمد عبد المعطي حجازي في مصر ، وخليل حاوي ، وعلى أحمد سعيد (آدونيس) في لبنان ، ونزار قباني في سوريا ، وفدوى طوقان ، وكمال ناصر ومعين بسيسو في فلسطين ومحمد الفيتوري في السودان ، وأمثالهم في جيلهم في أنحاء العالم العربي .

       ثم استقرت أركان هذه المدرسة ، وانتشر صداها مع إسهامات الجيل الثاني من شعرائها ، أمثال : ملك عبد العزيز ، ومحمد عفيفي مطر ، ومحمد إبراهيم أبو سنة ، وأمل دنقل ، وفاروق شوشه ، وعبده بدوي من مصر ، ومحمود درويش ، وسميح قاسم ، وتوفيق زياد من فلسطين ..

       ومع إسهامات من عاصرهم وتلاهم من أجيال في أرجاء العالم العربي ، استمر إسهامهم الشعري حتى الآن ، مثلما نجد لدى الشعراء : عبد العزيز المقالح باليمن ، وخليفه الوقيان ، ومحمد الفايز بالكويت ، وغازي القصبي بالسعودية ، وعلوي الهاشمي ، وقاسم حداد ، وعلى الشرقاوي بالبحرين وكثيرين غيرهم..

       ومما لاشك فيه أن القصة والمسرحية في الأدب العربي قد تأثرت تأثراً كبيراً بالمذهب الواقعي ، حيث عبرت عن قضايا المجتمع العربي ومشكلاته في المشرق والمغرب.

* باحث ومفكر في شأن التراث/ مصر.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *