“بكاء المشانق”.. من سرديات الأدب المقاوم!!..

“بكاء المشانق”.. من سرديات الأدب المقاوم!!..  

د. صالح محروس محمد*

تعد رواية “بكاء المشانق” الكاتبة آسيا خولة عبد الهادي- عضو رابطة الكتاب الأردنيين، وعضو الإتحاد العام للأدباء والكتاب العرب- الصادرة حديثا عن دار الأيام للنشر والتوزيع في عمان، رواية سردية تعتمد على اللهجة الفلسطينية المحكية, وتسجل على لسان راويتها “أم إسماعيل” أحداثا توثق نضال الفلسطينيين ضد الإنجليز منذ وعد بلفور ثم ضد الصهاينة للحفاظ على أرضهم، وتوضح بقوة صلابة المرأة الحديدية الفلسطينية التي تودع فلذة قلبها شهيداً بالزغاريد فتبكيهم المشانق. فجمعت الرواية بين السرد والتاريخ وتستحضر أسماء الشهداء الذين شنقهم الإنجليز، وتدحض أقاويل البعض التي تتهم الفلسطينيين بأنهم باعوا أرضهم لليهود وهم الآن يطالبون بتحريرها. وتمثل الرواية الصادرة عن دار الأيام في عمّان, ملحمة فلسطينية بامتياز تكشف الحياة في فلسطين عامة وفي بلدة الخضيرة المشرفة على مرج بن عامر في منتصف الطريق بين حيفا وتل أبيب خاصة، أراضيها واسعة وتربتها خصبة، وتسرد أسماء عربية ( ليست فلسطينية ) بعينها كانت تعيش في البلدة باعت أرضها لليهود وهربت، وخاصة اللبناني سليم خوري الذي صدم الأهالي والجيران ببيع أرضه الزراعية، بحسب الرواية. كما يستعير هذا العمل الإبداعي أسلوبا بسيطا يعبر إلى الذاكرة بيسر إلى صورة الأم الفلسطينية الصابرة والقوية معا، واستشهاد شقيق بطلة الرواية محمد عبد موسى الضميري كنموذج للمجاهدين في فلسطين، ويتحدث بإسهاب وتشويق عن دوره النضالي في مواجهة العسكر الإنجليز وقتله العديد منهم، وخاصة الضابط “ثومسون”، كما يكشف ممارسات الانتداب البريطاني لتمكين اليهود في فلسطين تنفيذا لوعد بلفور المشؤوم. فالرواية تسرد فن الأدب الفلسطيني المقاوم الذي يسترجع التاريخ المأساوي للمنطقة وأهلها، “الأراضي التي بيعت لليهود لم تكن ملكا للفلسطينيين، الغرباء الذين جاؤوا هم الذين باعوا أراضيهم ورحلوا، اليهود محميون من الإنجليز يقدمون لهم المال والسلاح، ويا ويل من يقربهم أو يؤذيهم”.

وجسدت الرواية توريث المقاومة للأبناء جيل بعد جيل وأوضحت أن الفلسطينيين شعب مقاوم لن يهزم بل يقدم كل يوم شهداء من أجل وطنه وأرضه المروية بدماء الشهداء من آبائه وأجداده. فتستحضر الرواية ما قاله الراحل محمود درويش “الأرض تورث اللغة”، لكن بطلتنا أم إسماعيل ورّثت المقاومة لأبنائها وأحفادها وكأنها تقول: المقاومة تورث كاللغة” وتستحضر الرواية ما قاله الراحل محمود درويش “الأرض تورث اللغة”، لكن بطلتنا أم إسماعيل ورّثت المقاومة لأبنائها وأحفادها وكأنها تقول “المقاومة تورث كاللغة”. وفي حوار مع جندي إنجليزي يقول “إحنا الإنجليز بنعرف كل شيء، حكومة الانتداب تعرف النملة وين بتروح، ما تحاولوا تتمردوا أحسن تندموا”، لتجيب أم إسماعيل “نحن لم نفعل لكم شيئا، قاعدين في بلادنا وساكتين لماذا لا تتركونا بحالنا؟ نحن مجاهدون ندافع عن وطننا. اذهبوا لبلادكم. عودوا إلى بريطانيا”، ليعيد الجندي مقولة استعمارية قديمة “نحن هنا علشان نعلمكم ونثقفكم ونخليكم بني آدمين”.

وتعطي الرواية مساحة واسعة لدحض مقولة قيام الفلسطينيين ببيع أراضيهم لليهود، وتتساءل هل من باع أرضه ووطنه يعيش في الكهوف وتحت الشجر ويمد يده للبطاقة التموينية التي تقدمها وكالة غوث اللاجئين؟ “كيلو طحين وعدس وقنينة زيت وشوية أرز. كيف بعنا وطننا وخرجنا لا نملك حتى رغيف الخبز؟ من يبيع يظهر عليه.. الله يجازيهم على هالتهمة”. وتقارن الروائية على لسان بطلتها “أم اسماعيل” بين شباب فلسطين في الثلاثينيات وشباب اليوم، حيث “شباب مثل الورد أقلقوا الإنجليز وزرعوا الرعب في قلوبهم، كل يوم يصطادوا جندي أو اثنين.. كانوا أبطالا”، مشيرة إلى أن “شرف تلك الأيام أشرف مائة مرة من حملة الشهادات المدلعين المرفهين”.

وتكشف الرواية ممارسات الاحتلال الصهيوني منذ النكبة التي ورثها عن الانتداب البريطاني الذي استعمل مصطلحات لتشويه صورة المناضلين كالمخربين والمستعربين الذين يتخفون بالزي الشعبي الفلسطيني لاغتيال المناضلين والتعذيب واقتحام البيوت وإتلاف محتوياتها. كما تصف بلغة تثير الوجع بأجوائها لحظات رؤية الراوية “أم إسماعيل” شقيقها ببدلة الإعدام الحمراء في سجن عكا، “لا أطيق اللون الأحمر”، وكيف أعادت جثته للبلدة على حمارها “صابر” واستقبال الأهالي الشهيد، كما تنقل عن الدكتورة إلهام أبو مشرف التي أخبرتها أن عمّها يوسف أحمد أبو مشرف الذي أعدم مع 16 من زملائه الأبطال مرة واحدة في عام 1936، طلب منهم ملابس جديدة يلاقي بها ربه وكأنه في يوم عيد.

وتسرد البطلة “أم إسماعيل” قصة استشهاد أخيها والبطولات التي قام بها (أوقفت أم إسماعيل همسهما وأردفت: – أخي، محمد عبد مصطفى الضميري.. كان شابا جميلا جدا.. لم أر بجماله وخفة دمه ونشاطه أبدا.. أنا ربيته, كان صالحا متدينا وصادقا, ويحب المواشي خصوصا المعز.. شنقوه.. شنقه الإنجليز من زمان بعد هزيمة الأتراك بعد الحرب العالمية الأولى.

– يا إلهي.
هتفت المهندسة رحاب.. ثم أضافت بجزع كيف؟ ولماذا؟ ماذا فعل.

– فعل بهم الكثير.. كانت ثورة وكان ثوار ومجاهدين أقلقوهم وزرعوا الرعب في قلوبهم.. كل يوم يصطادون جندي أو أثنين منهم يهاجمون قطاراتهم ومواكبهم ويحرقون معسكراتهم ويقتلون جيادهم.. كانوا أبطالا لا مثيل لهم.. تحرك رأسها يمينا ويسارا ثم تضيف بحسرة: آه والله شنقوه.. مر زمن طويل لكنني ما زلت أذكره حتى اليوم وفي كل لحظة.)

فالرواية كما عهدنا من الكاتبة آسيا عبد الهادي تجمع بين جمال وبساطة اللغة وتجسد جانب مهم من تاريخ فلسطين المحتلة وتوضح جانب من المؤامرات على الأمة الإسلامية منذ وعد بلفور اللعين وجعل فلسطين تحت الانتداب البريطاني ودور بريطانيا في زرع إسرائيل الجرثومة الخبيثة في الجسد العربي وأوضحت حركة النضال الفلسطيني التي كانت موجودة منذ البداية وجسدتها في شخصية أم اسماعيل التي استشهد شقيقها وأعدم الآخر ووضحت الإرادة القوية لدي المرأة الفلسطينية التي قدمت وتقدم المزيد من التضحيات كل يوم من فلذات أكبادها وأوضحت أن المقاومة تورث ولن تموت مهما كانت التحديات والضغوطات على الشعب الفلسطيني المناضل, كما أظهرت أن الأمر لا يخلو من عملاء لليهود. ووفقت في اختيار اسم الرواية, نعم تبكي المشانق على الأبطال الذين تلتف حول أعناقهم لعلمها بقدرهم وعظمة أعمالهم, رحم الله الشهداء ورفع درجاتهم في الجنان.

*كاتب مصري.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *