“بين التعبيرية والانطباعية.. فردوس الألوان”!!..

“بين التعبيرية والانطباعية.. فردوس الألوان”!!..

طلال مرتضى*

وأنت تطالع عن كثب تجربة التشكيلية الألمانية (أنجيلا تاتلي Angela Tatli) تجد أن هذه الرسامة لم تكتفِ بالمدارس الفنية المعروفة بل سعت لابتكار هوية تتناسب وفخامة أسلوبها الخاص. لذا فإن فتح أكوادها المطلسمة تحتاج لممكنات قرائية

تتلاءم و”المتخيل- الواقعي” في عالمها.

فالتجربة في عين المتلقي العادي مخاتلة ومواربة, لأنها تذهب بالرائي إلى غير موطن, فالدلالة العامة لأعمالها تشير إلى أنها ربما تقترب مما هو معروف بالمدرسة الانطباعية الفنية التي ذاع صيتها في القرن التاسع عشر حيث استمدت تلك المدرسة أسمها من لوحة “انطباع شروق الشمس Soleil Levant” التي رسمها “كلود مونيه” الفرنسي, وتعتمد في أسلوبها على نقل الحدث أو الواقع من الطبيعة كما تراه العين وبعيداً عن التخيّل والزركشة.

ولكننا إذ ما اقتربنا لدرجة التلامس نجد أن ما تركته “أنجيلا تاتلي” من تشكيل لوجوه نساء عابرات في الحياة, كانت تقف على خط التماس المحاذي للمدرسة الانطباعية تلك, ولكنها لم تنهل من معينها الفني سوى ما اعتقدناه نحن كمتلقين من خارج دائرة الرسم..

فتلك الوجوه التي حملت توقيع أنجيلا لم تكن لتنحاز إلى تلك المدرسة, بل نهجت نهجها الخاص والذي يقدمها كتجربة مستقلة من دون الوقوع أو التأثر بمذهب فني آخر, حيث يتبدى هذا من مجموعة الخطوط العريضة التي كونت منها وجوه النساء وكذلك حركة شفاههن التي لا تطابق الواقع الانطباعي, حيث أنها كسرت ومن خلال حركة هذه الشفاه مكامن الفتنة الأغرائية على الرغم من حضور النسوة الواقعي في الحياة, لكنها بذات الوقت ذهبت وبتركيز “تعبيري” إلى إظهار الدلالات الحسية للوجوه, أرادت من تلك الوظائفية بعينها, الذهاب إلى ما هو أعمق في غور تلك النسوة وذلك لملامستها من الداخل وليس الخارج كما الانطباعيين, لقناعتها المطلقة بأن الدر الثمين يكمن في الأعماق..

وهنا أستطيع القول بأن أنجيلا أجادت التأثير على بنيان لوحتها فالوجوه وبالمطابقة ليست حقيقية فهي وعلى الرغم من تجريدها سلاح الإثارة لم تستطع إخفاء اللمسة الأنثوية عنها, فقد تركت لفرشاتها حرية الحركة والانسياب على تلك الوجوه لتتركنا في بعد تحت سطوة دهشتها من خلال نافذة الإيحاء وليس الإشهار فتأخذك..
وهنا تكمن موهبة الفنان الحقيقي الذي لا يسلم مفاتيح فكرة لوحته بسهولة, فاللوحة الفنية هي مجموعة الحيوات الكامنة والكاملة والتي تتشكل من عدة متواليات داخل مربع الإطار, حيث ينطلق الفنان لتبيان مهارته الإبداعية داخل كل حلقة من تلك الحلقات وعلى سبيل المثال يمكننا أن نلتقط  الكثير في وجوه أنجيلا مساحات شاسعة من الظل يبدي في مكانه إشراقا لافتاً على عكس دال الظل..

من دون شك يمكن لأي منا قراءة أية وجه من هذه الوجوه من خلال ارتدادها العكسي علينا أو ما يسمى بصدى العمل الفني في عيون قارئه والذي يحفز مخيلة الأخير ليصار لمقاربة  الفكرة المرسلة إليها من اللوحة مع مثيل لها عالق في ذاكرتنا الباطنية أو الكامنة, وهنا تحدث الصدمة القرائية, فالفكرة التي استيقظت تواً في ذاكرتنا وعلى الرغم من حقيقتها الكلية إلا أن أنا القارئ ستقوم بهجمة مرتدة لترد كل تلك الارتدادات إلى ما هو داخل الإطار..

أردت في هذه المقابلة أن أزيح عن كاهل المتلقي أو القارئ فكرة مناددته لذاته الخاصة حول تفسيره لقصة ارتداد اللوحة, وهذا ما يجعلني الوصول لقناعة تامة بأن ما نقوم بقراءاته من دلالات ورموز وإشارات في اللوحة الفنية لا يعني بالضرورة أن تكون بالفعل هي انعكاسات للذات القارئة بالمطلق..

والدليل القاطع على ذلك استقيه من تجربة أنجيلا, فهي استطاعت كسر المقولة المعروفة التي تقول وبتصرف, إن كل ما يصلنا من انعكاس من اللوحة الفنية له مقابل مخزن في ذاكرتنا الجمعية, فالمتمعن في وجوه أنجيلا سوف يؤيد فكرتي هذه عندما يطالع وبجدية القارئ في رسم العيون لتلك الوجوه..

فالعيون هي بوابات ونوافذ لتلك الوجوه التي رسمتها أنجيلا والتي تؤكد بأن مرجعية تلك العيون تعود للوجه الذي هي جزء منه وتمثله هو ولا يمكنها أن تكون انعكاساً أو طباقاً لوجه آخر..

اختارت أنجيلا زاوية نظر محددة بعينها كي تكون الهوية المثالية لهذا الوجه بعينه, وهذا ما يستدعي للقول إلى أن كل وجه من تلك الوجوه يحتاج قراءة تخصه من حيث الإشارات وزاوية النظر التي لا تشبه زاوية نظر أخرى في مثيلاتها من العيون..

فهي تجنح إلى الرومانسية وتنبذ الذاتية والواقعية المفرطة.

تختلف دلالة الألوان لدى أنجيلا من وجه لآخر لكنها جعلتها تلتقي في خط تكوين واحد, فالمصدر اللوني هو مائي بحت, وهذا أيضا يعود لأمرين..

الأول, أن الألوان المائية هي طيعة ومُلَطِفة في ذات الوقت, يمكن تمديدها وتكثيفها والتأثير عليها من خلال عملية المزج الذي يجعلها ذات حساسية تميزها عن سواها من ألوان

والثاني, هي ألوان أنثوية, طواعيتها وليونتها من طواعية الأنثى وجماليتها من جمال وحضور الأنثى الشفيف كما الأنثى التي تكنه في تكوينها طبع الماء.. كما أن الناظر إلى أعمالها لا بدَّ أن يصله التأثر بإشراقات بودلير.

الفنانة أنجيلا تاتلي شاركت في عدة معارض فنية مشتركة وخاصة في ألمانيا ودول الاتحاد الأوربي.

*كاتب عربي/ فيينا

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *