تشظي الذات على مساحة الوجع في رواية ” نزاز” لطلال مرتضى!!..

تشظي الذات على مساحة الوجع في رواية ” نزاز” لطلال مرتضى!!..

دعد ديب*

سرديات الحرب تتلون وتتباين وتختلف، كل يحكيها من زاويته التي رأى بها الأحداث؛ أو مر بها؛ أو عاصرها؛ أو سمع بها؛ أو أحب أن يفهمها؛ يتناولها السوري طلال مرتضى في روايته “نزاز” منشورات دار بعل لعام 2018مسترجعًا طفولته في خان السنابل البلدة التي تختزن في باطنها حيوات بشر عبروا ومروا، وبقيت حكاياتهم وأخبارهم تلسع الذاكرة كلعنة غامضة تكتنفها الأسرار، وجرح لم يزل مفتوحًا على مساحة الألم، بلدته التي خبرت عشقه وجوعه وتشرده، والتي قلبت عاليها سافلها على مر الأزمان أكثر من مرة، عبر مشاكسة الطبيعة مرة، ومرة لكونها مطمع لمهربي الآثار الذين وجدوا في جهل أهلها لتاريخ المكان، مطية سهلة للوصول إلى مآربهم، وتارة مطمع لحمم اللهب والقذائف التي داهمتهم من حيث لا يعرفون، خان السنابل التي أصبحت ركامًا بفعل الضربات الجوية، وعادت مثل أوان نشوءها الأول، حيث البلاد كلها مستباحة لقوى الدمار.

يتقطع الزمن السردي عند طلال مرتضى بين الماضي والحاضر، عبر طفولة قاسية من الفقر المدقع والحنان المفقود مع زوجة أب قاسية ووالد أشد قسوة، وهو الطفل ابن العاشرة ليترك الحرمان بصمته الكاوية على قلبه وروحه، ليتفتح عشقه لريم الأنثى المكتملة كبديل لكل الأسى والخيبة التي عاشها لتبقى ذكراها حنين آسر، يكوي ضلوعه، عبر انتقاله لزمنه المعاش وقصة هروبه من منزله هو وبناته بعد أن هاجمته الجماعات التكفيرية، ليضيء من هذه النافذة على المقتلة السورية التي ابتدأت من ثمان أعوام ولم يتوقف نزيف الموت فيها لغاية اللحظة، الأمر الذي دفعه إلى الرحيل عن المكان تاركًا كل شيء وراءه، ولأن الحرب بلا أخلاق، لأنه لا يريد المشاركة فيها، يفرمن واقعه، يفر من إجباره على الاصطفاف تحت أي مسمى، رافضًا الاحتماء بأكثر الانتماءات بدائية، الانتماء الطائفي الذي وجد نفسه فيه والذي لم يختاره بإرادته، الكل متواطئ في الحرب القذرة الذي تفننت أشكال الموت في التربص بهم، من الفجور السافر للفضائيات ومن يتستر وراءها، تلك التي تذرف دموع التماسيح على مآسيهم، مآسي البشر المفجوعين، واعتبار منظر الضحايا الغرقى في عرض البحر وأشلاء قتلى آلة الحرب سبقًا إعلاميًا، فهم لو رغبوا منع قوارب النجاة المخصصة للهرب، لما استطاعت نملة أن تخرج من وكرها، ولكن الكل يتاجر بالدم، وما من خاسر سوى السوريين.

طلال مرتضى تنز ذاكرته المنفلتة من جعبة الخسارات التي مافتئت تكبر بالوجع الذي يروي حكاية الخارجين من أتون الجحيم والقابعين في ليل المغترب مسترجعين الهول الذي كان، في تواشج قائم بين مكابدات السعير الذي امتدت حرائقه لتعصف بالبلد وبين مكابدات مراوغته لنصه السردي بتعالق بين الحكاية كمتن سردي و رصده لإيقاعها في استكمال لوحته، في تشابك يعيد القارئ إلى واقع القص السردي ويوقف انشغاله بالتفاصيل، مما يعكس رغبة الكاتب باللعب بقارئه وكسر انتباهه بتقويض الجدران التي تفصل الحكاية عن الواقع، حيث ينفصل عن النص ليتحدث من خارجه متوقعًا لفزلكات النقاد في دراساتهم السردية، متجاهلين الألم الذي ينز من بين السطور.

يحفل العمل بالعبارات المسكوكة على غرار” حساب القرايا لم يتماشى مع حساب السرايا” و”اتبعوا العو ولا تلحقوا الضو” و”حط راسك بين الروس وقول يا قطاع الروس” تلك التي التي تجري على ألسنة العامة وتحاكي الأمثال في مغازيها التعبيرية، حيث المسكوكات اللغوية تغني النص لناحية الإيجاز وإصابة المعنى الذي يرمي إليه الكاتب.

يستحضر الكاتب بعض البؤر التاريخية للكشف والمقارنة مثل دروس بلغراد والحرب الطاحنة التي دارت رحاها حيث ما من رابح فيها إلا صانعي آلات الموت والدمار، كما يعرج على حرق طارق بن زياد للسفن وهو يتهيأ لفتح بلاد النداوة والخير، في دعوة لفهم مغاير للتاريخ وفتح الأبواب المغلقة وإعادة مسائلة التاريخ في الغموض الذي يكتنف اللعنة التي أصابت قريته القابعة على ممالك بائدة، حيث تاريخ المكان هو الجواب عن لعنة الوجود، ليكشف سر بالس وايمار واستلهام تاريخ سبي حفيدات الرسول وسوقهن إلى دمشق، في مواربة لفهم الحاضر الذي تستعاد فيه عهود السبي والسلب واحتكار مفهوم الحلال والحرام وكيف يتم تجهيل البشر باسم الدين لإغلاق باب التفكير وخاصة إذا تعلق الأمر بالمرأة مما يغذي النزعة الذكورية بالسيطرة، الأمر الذي عكسه ببراعة بأكثر من مكان وهو يستعرض أسماء الله الحسنى المليئة بالرحمة، وهو واعي للمحرمات الثلاث “الدين –الجنس –السياسة” التي يجب تجنبها من خلال التلويح بالشرطي الداخلي القابع بالنفوس، والذي يلجم أرواحنا نتيجة عهود الخوف والتدجين التي رزحنا تحت وطأتها، حيث الراوي المدعي للفضيلة يختبئ وراء اسم البطل للتنصل مما يعترض عليه من أشكال التدين القاسي التي فرضت في ذكرى طفولته، كالضرب لأجل الصلاة، الأمر الذي لم يجعله قريبًا من إلهه الذي لم يزل مدبرًا وجهه عن حريق البلاد، محاولًا الإفلات من رقيبه الداخلي بقوله (( سوف أخرج مني كي اكتبني)) بشفافية بالغة في مراوغة استباقية لفلسفة نقاد السرد حيث يتجول خارج المسرود ليعاود الدخول فيه، في فانتازيا للأنا المنفلتة مما يجعلها سمة مميزة له وفارقة.

هي الغربة القاسية ضريبة من رحل مجبراً أم مختارًا، يستشعرها بردًا يقيم في أوصاله، غربة المكان وغربة اللغة، حيث لغته لم تجد سبيلها إلى مكتبات منفى الصقيع، وكل هذا الجمال واللون الأشقر والمساحات الخضراء بالمنفى لم يجعله ينسجم وينسى العبق الأول الذي طبع على روحه وأرخى بظلاله على ذاكرة عصية على النسيان، حيث المنفى له عذاباته ومشاكله وقضاياه التي تفتح باباً جديدًا للوجع والحنين.

* ناقدة وكاتبة سورية

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *