تقاسيم!!..

تقاسيم!!..

سلوى عباس*

منذ صغري والموسيقا والأغاني تأسرني وتحلق بي في سماءات بعيدة.. تنشر في روحي ابتسامة من نهارات ندية تطيرني فوق بيادر الأقحوان، وكل أغنية تفسح في قلبي فسحة من تأمل ترسل لي من لدنها غمامة من بهاء الحياة تغمر كل اليباب وترش على روحي مطرها الربيعي، فتستفيق من سباتها، وأبدو كنبتة فاجأها الربيع بعد أن أيقنت باستحالة الفصول، فأغتسل بالأحلام والألوان وزهوة الحياة، وكل أشرعة الوداد تبحر في دمي وتهل على قلبي مزارع البنفسج.. شمعة تضيء أنحاء النهار وتنافس الشمس في استمالة عبادها.

هي الأغاني تندلع على السهوب تلوّنها وتراقص في السماء طيوبها.. تمتد الغبطة كالنور على كل المساحات.. والضوء يلفح لياليّ المديدة لأبقى مصلوبة على الحلم المشع على حين أغنية تتغلغل في روحي، أستذكر كيف يكون النوم، فالأطفال يغالبون النعاس وأنا أغالب الصحو وشريط اللحظات المورقة ويخضورها الوارف، تلون صباحاتي الزرقاء بالمطر وتهزج في قلبي الأفراح.

لم يكن لهذه الأغنيات من غاية لدي سوى جمال لحنها الذي يأخذني من ذاتي مترافقاً مع كلمات تشدو بها أصوات مخملية عشنا معها زمناً ولا زالت تأسرنا، لتحضر في ذاكرتي تلك الطفلة بتنورتها البحرية وبلوزتها الكحلية وحذائها الأبيض متسمرة أمام شاشة التلفاز غافلة عن كل الضجيج حولها تتابع اسكتش “سهرة حب” الذي كان بداية ولعها بفيروز والرحابنة، ومن يومها وحتى الآن كلما سمعت هذه الأغنية يحضر لديها إحساس تلك اللحظة التي سمعتها بها لأول مرة، ثم وفي لحظة من عمر الزمن وصلتني رسالة بدأها صاحبها بعبارة “وقف ياأسمر” تنطلق الآن من حنجرة فيروز، لكني لن أكتبها لك، بل اخترت مقطعاً من قصيدة لنزار، ولأنني لم أكن قد أصبت بالشغف “النزاري” بعد لم أتذكر القصيدة وظلت الأغنية هي الأبقى كونها تترافق مع كثير من الصباحات، وارتبطت بتلك الرسالة التي تعود إلى ذاكرتي كلما سمعت الأغنية.

بعد أن وعيت الحياة أكثر أصبحت هذه الأغاني تأخذ بعداً آخر ورأيت نفسي مأخوذة بالفيروزيات والرحابنة، وبمسرحياتهم وشخصياتها، فكانت “زاد الخير” ناطورة المفاتيح للناس الذين أرهقهم الظلم غادروا بلدتهم تلامس وجداني فأشعر وكأنني أنا هي، ومرة كنت أرى نفسي أشبه “قرنفل” في “صح النوم” التي سرقت ختم الوالي لتختّم معاملات الناس، هذا الهاجس الذي لا يفارقني بتقديم المساعدة لمن يحتاجها وبعد مدة من الزمن تقترب شخصية “زيون” في “ميس الريم” التي كانت تشعر بظلم الذي يعانيه الناس وكأنها هي التي ظُلمت.. زيون البنت التي رافقها الحلم منذ الصغر، لكن حلمها كان يتهدم مع مرور الأيام دون أي فرصة لتحققه، وقذفتها الريح بالاتجاه الذي حددته لها، وكم شعرت بالقواسم المشتركة بيننا.

لكنني تباينت في الرؤية مع ريما التي عثرت على خاتمها لدى بياع الخواتم بينما أنا كانت الخواتم كلها أصغر من أصابعي وبقيت أنتظر خاتما قد يأتي في زمن ما.

ولعل شخصية وردة في “المحطة” كانت الأقرب لي، إنها وردة الحلم التي اخترعت للناس حالة الانتظار المرافق للأمل القادم مع “الترين” ومحطات السفر، وكلّ قطار لا بدّ له من محطّة يتوقّف فيها لنقل المسافرين إلى زمان مختلف تتجدد فيه الحياة بما ينسجم ورؤيتها خلاصاً من الرتابة والروتين الذي اعتاد عليه الناس. لكن للأسف عندما أتى القطار لم تتمكّن وردة من الحصول على تذكرة وتبقى وحيدة في فضاء المحطّة تتصارع أفكارها ما بين وردة الحلم ووردة الواقع تغني “لليالي الشمال الحزينة”، و”وحيدة تؤلف عناوين لا تعرف لمين” وتصرَ وردة الحلم على موقفها من مجيء القطار ومعاودة الانتظار، الذي هو بحدّ ذاته قيمة تنفتح على استمرارية الأمل واكتمال الأشواق.

*كاتبة وإعلامية سورية.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *