حلم اسمه معهد أو أكاديمية وطنية للتراث!!..

حلم اسمه معهد أو أكاديمية وطنية للتراث!!..

د. يسري عبد الغني*

في أكثر من مقالة ودراسة ومحاضرة طالبنا بضرورة لم الجهود المبعثرة في مجال تحقيق التراث المخطوط وضرورة التنسيق بين الجهات المعنية بهدف خدمة حياتنا المعاصرة لتراثنا الذي إذا اهتممنا به حق الاهتمام ووعينا أهميته ودوره الفعال في رقينا ونهوضنا الثقافي، سوف نتوصل إلى إستراتيجية ثقافية حقيقية عبر آليات واقعية قادرة على أن تنقذنا مما نحن فيه من انحدار وندهور ثقافي محال أن ينكره كل ذي لب حصيف .

إن ضرورة تآزر الطاقات العلمية والمادية في مجال تحقيق التراث وأحيائه أمر ضروري وفاءً بحق الأمة التي تتطلع إلى الاستضاءة بتراثها الداعي إلى الحق والخير والحب والجمال والانتماء الصادق والتسامح وقبول الآخر..

إذا اهتمت الأمة بتراثها حق الاهتمام فبذلك تستكمل الوعي بذاتها وفهم تاريخها ومعرفة مواقع خطاها، من ماض إلى حاضر فالتراث بكل أنواعه مادي أو غير مادي هو شعاع من الماضي يضيء الحاضر ويستشرف المستقبل .

وقد شغلت أستاذتنا الأستاذة الدكتورة / عائشة عبد الرحمن (بنت الشاطئ)، عليها رحمة الله ، منذ سنة 1963 م، بما سيؤول إليه التراث الذي هو هويتنا، بعد أن مضى القلة من المتخصصين في علم التراث ومنهج تحقيق النصوص وقد كانوا في الغالب من أساتذة الدراسات العربية والإسلامية موزعين على مختلف الجامعات والمعاهد في وطننا العربي، حيث لا تتاح لهم فرصة إعداد جيل من محققي التراث يخلفهم وذلك بسبب تقيدهم بالمقررات التي تلزمهم الجامعات بتدريسها .

أقول لكم: إن المقررات الجامعية بوجه عام ليس فيها مجال متكامل متخصص في تحقيق التراث بكل فروعه وأنواعه وعلومه وفنونه ، ولا يخفى على أحد أن معظم هؤلاء الأساتذة الأفاضل انتقلوا إلى الرفيق الأعلى منذ سنوات طويلة ، ومن منهم على قيد الحياة ـ مثلنا ـ يعاني متاعب الشيخوخة ، وقد وصل إلى سن التقاعد ، وحتى إذا تحامل على نفسه وحاول بعون من الله أن يعمل ويجد ويجتهد ويحقق في التراث أو يكتب في قضاياه وقواعده وأصوله ، فإن المناخ الرديء القميء الذي نعيشه ثقافيًا وفكريًا وتعليميًا في مصر والوطن العربي سيء إلى درجة كبيرة، ومحال بظروفه الراهنة أن يهتم بالتراث ودراساته .

لقد قلنا من قبل أنه بكل أسف لا يوجد صف ثان من الباحثين في التراث، لا يوجد من يخلف رواد تحقيق التراث وأحيائه، لا يوجد من يتلقى الأمانة ويحمل العبء والرسالة ومن هنا نادت أستاذتنا / عائشة عبد الرحمن بإنشاء معهد أو بلغة عصرنا  كلية أو أكاديمية عالية لتحقيق وإحياء ودراسة التراث وهذه الدعوة تفضلت بنشرها في الملحق الأدبي لصحيفة الأهرام القاهرية يوم الجمعة 13 ديسمبر 1963 م، ثم تابعت بيان منهج هذا الكيان المقترح في الأعداد التي تلت هذا العدد من الصحيفة وبالتحديد في ملاحق أعداد يوم الجمعة .

وعندما نقدم هذه المقترحات فنحن نستمدها من أستاذتنا الدكتورة / عائشة عبد الرحمن، نستمدها في جوهرها ولكن نضيف إليها ونعدل فيها وفقًا لمقتضيات ومستجدات عصرنا الراهن، عصر الانفجار المعرفي وثورة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ومواقع التواصل الاجتماعي، لأنه من الضروري أن نراعي ذلك ونستفيد منه كل الاستفادة ونحن ندعو إلى حماية تراثنا وإحيائه بكل أنواعه وكذلك دعوتنا الملحة المتكررة بالدفاع عن هذا التراث من كل من يحاول سلبه ونهبه وسرقته وتزويره وتزيفه في عصر العولمة المتوحش الذي نعيشه .

نريد معهدًا أو كلية أو أكاديمية وطنية تتيح لأبنائنا الشادين أقصى انتفاع ممكن بخبرة علماء التراث، من أجل إعداد أجيال جديدة من المتخصصين الذين يحملون راية تدريس تراثنا وحمايته من عبث العابثين وجهل الجاهلين الذين يريدون طمس هويتنا وتفكيكنا وتمزيقنا حتى يسهل عليهم السيطرة علينا والهيمنة على مقدراتنا .

وهذا المعهد المقترح لا يمكن أن نلحقه بالمرحلة الجامعية الأولى (الأندر) كقسم (مثلاً) من أسام كليات الآداب أو دار العلوم أو الدراسات العربية الإسلامية بالأزهر الشريف ، لأن الدراسة به نوع من التحقيقي العالي الدقيق لا تسمح بطبيعة هذه المرحلة الأولى بعموميتها أو مستوى طلابها ، فضلاً عن كونها تحصره في المجال الدراسي للكلية التي يلتحق بها (عن طريق مكتب التنسيق بالطبع ) وتوصده في وجوه من ترجو إعدادهم في مجال تحقيق التراث في فروع الطب و الطبيعة والفلك والرياضيات والصيدلة والزراعة والقانون… إلخ..

نقترح أن يبدأ التخصص لمن أتموا دراساتهم الجامعية في هذه الكليات العملية إلى جانب من أتموها في العلوم العربية والإسلامية والإنسانية ، ويفتح المعهد المقترح أبوابه لأبناء الدول العربية والإسلامية الوافدين من الجامعات والدور العلمية ، كما يمكن الترحيب بمن يرغب في دراسة التراث العربي و الإسلامي من شباب الغرب الذي يريد أن يتعرف على ثقافتنا العربية الإسلامية من منابعها الأصيلة .

ونقترح أن تكون مدة الدراسة فيه عامين دراسيين كاملين ، تقسم إلى أربع فصول دراسية (ترمين) لكل عام ، كما يمكن تطبيق نظام الساعات المعتمد الذي يطبق الآن في الجامعات العربية .

يدرس الطلاب في العام الأول (الترمين الأوليين) :

_ التعريف بمعنى التراث سواء أكان إسلاميًا أو مسيحيًا أو يهوديًا أو فرعونيًا ، يجب أن يلم الطالب بكل هذه الأنواع وتاريخها وفنونها وعلومها .

_ مجال التراث وأبعاده الموضوعية والزمانية والمكانية .

_ تاريخ الكتابة

_ حركة التدوين عند العرب ، وما لابسها من ظروف دينية ومذهبية .

_ حركة الترجمة والتعريب لتراث الشعوب القديمة (بوجه عام)

_ دور الكتب (المكتبات بجميع أنواعها ) في عصر الحضارة العربية الإسلامية

_ معابر انتقال كنوز التراث العربي والإسلامي من الشرق إلى الغرب

_ دراسة حركة الاستشراق في مراحل تطوره المختلفة مع ضرورة التعريف بما آل إليه الفكر الاستشراقي في عصرنا الراهن وبالذات بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 م ، وما يسمى بالحرب ضد الإرهاب وجني ثمار العولمة بكل أهدافها الاستعمارية الهادفة إلى الهيمنة والسيطرة والمزيد من نهب خيرات الشعوب الخاملة الخانعة .

ومن الأهمية بمكان التعريف بميادين نشاط الاستشراق والمستشرقين ومراكزهم وأعلامهم وكتبهم ومؤتمراتهم ومنشوراتهم وكل ما قاموا بالتعامل معه من كنوز تراثنا العربي والإسلامي .

_ دراسة فهارس المكتبة العربية من العصور الإسلامية الأولى إلى مطالع العصر الحديث ، وكذلك دراسة فهارس المخطوطات الورقية والإلكترونية في الشرق والغرب

_ دراسة كتب الطبقات ومعاجم أعلام الأشخاص والبلدان وكذلك المعاجم اللغوية بكافة مدارسها وطرائقها

_ دراسة قواعد المنهج النقلي القديم والحديث وضوابط الرواية والإسناد في بيئة علماء الحديث ، وعلماء اللغة والأدب

في السنة الثانية يدرسون ما يلي :

_ علم الخط العربي

_ علم توثيق المخطوطات وهو علم بالغ الدقة والصعوبة يضع الضوابط للتحقق من أصالة المخطوط والتثبت من صحة نسبته إلى مؤلفه عن طريق فحص إسناده ، وورقه ، ومداده ، وخطه ، ونسق كتابته ، والتوقيعات التي قد يحملها لناسخه أو من قرءوا المخطوط أو تملكوه أو وقفوه

ونحب أن نقول هنا |: إنه لا يغني عن هذا الفحص أن يحمل المخطوط تقيع مؤلفه وتاريخ كتابته أو نسخه لاحتمال أن يكون كل هذا منقولاً بنسخ متأخر أو مزورًا بتقليد

وينقسم الطلاب بعد هذه الدراسة المشتركة أو العامة إلى شعب متخصصة تبعًا لنوع الدراسة التي تلقوها من قبل في كلياتهم الجامعية .

ويتلقى طلاب كل شعبة المنهج العلمي لخدمة النصوص التي يتخصصون فيها من:

ـ تفسير ألفاظ النص التراثي .

ـ تحديد دلالتها التي يعنيها السياق من بين الدلالات المعجمية أو القاموسية التي تتعدد للفظ الواحد .

ـ التعريف بأعلام النص ، وخدمة شواهده من حيث تدخل كل هذه الجهود لخدمة النص بغرض توفيقه والتحقق من صحة نسبه إلى مؤلفه وعصره .

ومن الممكن بذلك الكشف عن زيف المخطوط أو أي تعديل يكون قد طرأ عليه .

التطبيق النظري للمنهج :

أيضًا على الطلاب أن يمارسوا التطبيق النظري للمنهج في تقديم أو عرض عدد من كتب التراث التي نشرت في البلاد العربية والإسلامية أو في البلاد الأوربية ، في فترات زمنية مختلفة ، مما يدخل في مجال التخصص لكل شعبة ، كي يميز الطلاب ما نشر منها على الأصول المنهجية ، وما أعوزه التوثيق أو ما شابته من شوائب من خطأ أو تشويه أو قصور .

التدريب العملي :

أما التدريب العملي الذي نقترحه ، فيمارسه الطلاب في التدريب على مخطوطات لم تنشر بعد ، يحققونها تحت إشراف أساتذتهم .

وهنا من الأهمية أن يزود المعهد بوسائل التحقيق من مصورات محفوظة على cd أو فلاشات وأجهزة عرض أو قراءة حديثة وصور جيدة واضحة لنسخ المخطوطات ونماذج تاريخية لأنواع الورق والخطوط التي صحة نسبتها إلى العصور المختلفة.

وكذلك يجب أن يلحق المعهد المقترح بماكينات تصوير حديثة ووسائل تواصل بين الطلاب بعضهم ببعض وكذلك تواصل مع أساتذتهم ومدربيهم .

نضيف إلى ذلك التواصل المستمر مع المكتبات في مختلف أنحاء العالم ، والأماكن التي بها مخطوطات عربية وإسلامية في الشرق والغرب .

يجب أن يكون بالمعهد مكتبة علمية محترمة تضم كل ما يمكن الاطمئنان عليه من معاجم لغوية ، وكتب للأعلام والطبقات في مختلف العصور، ليقف الطالب غلى العصر الذي ينتمي إليه المخطوط بكل جوانبه والذي يتدرب على تحقيقه .

وغني عن البيان أن تعلم الطلاب على العمل الجماعي أمر مهم سيكون له مردوده ، كذلك نطالب بتحفيزهم ماديًا قدر الإمكان، ومعنويًا وهذا هو الأهم وقد يكون من المجدي في الفترة الأولى لإنشاء المعهد أن يعد الملتحقون به كطلاب بعثات داخلية  ويوفد المتفوقون منهم بعد إتمام الدراسة في المعهد في بعثات علمية أو يحصلون على منح التبادل الثقافي إلى معاهد الاستشراق الكبرى في أوربا مثل هولندا وروسيا فرنسا وبريطانيا وإيطاليا وبولندا ورومانيا والمجر وغيرها..

ومن هذه البعثات يعود أولادنا بعد ذلك كأعضاء في هيئة التدريس بالمعهد أو بالمعاهد والكليات الجامعية التي لها علاقة بالتراث .

أما بقية المتخرجين فيعينون في وظائف تتصل بأعمالهم في دور الكتب والجامعات والمعاهد العليا ، والهيئات والمؤسسات العلمية والثقافية .

ومن الممكن أن يعملوا في مراكز تحقيق التراث والتي نطالب بضرورة دمجها وتوحيدها في كيان واحد ، حتى نتفق على خطة أو إستراتيجية واحدة من أجل النهوض بتحقيق التراث وحمايته وصيانته ودفع ما يراد به من عبث وتبديد وإفساد .

وفي مجال الدعوة إلى العمل الجماعي الذي يجب أن يبث أساتذة المعهد في نفوس الطلاب نطالب كذلك بطبع العمال التراثية المحققة أو الدراسات والأبحاث المتعلقة بالتراث و التي يقوم بها الطلاب كفريق عمل تحت إشراف أساتذتهم ، وهذا يكون له المردود الإيجابي الطيب على الطالب عندما يجد اسمه على كتاب محقق من معهد علمي محترم تحت إشراف أساتذة أفاضل لهم قدرهم كقامات علمية في مجال علم التراث بكل فنون تحقيقه .

ويمكن أن يمنح الطالب عندما يجتاز الدراسة في السنة الدراسية الأولى بنسبة نجاح 60% على الأقل ، يمنح درجة الدبلوم العام في علم التراث ، وكذلك يمكن منح الطالب الذي يجتاز السنة الدراسية الثانية بنسبة 70% درجة الدبلوم الخاص وعليه يمكن أن يسهل له بعد ذلك التسجيل لدرجة الدكتوراه حيث أن الدبلومين يعادلا درجة الماجستير ماليًا وإداريًا وأكاديميًا .

ولا مانع أن يحصل من الطلاب في العامين الدراسيين رسومًا مالية رمزية، ينفق منها على نظام العمل بالمعهد وأيضًا يمكن تحصيل رسوم مالية من الطلبة الوافدين وتكون بالعملة الصعبة من أجل إنفاقها على العمل في المعهد .

ونحن على أمل أن تدعم منظمات المجتمع المدني المهتمة بالتعليم والثقافة هذا الكيان المقترح وكذلك جميع الهيئات والمنظمات العلمية والتعليمية والثقافية والإعلامية الرسمية هذا الكيان العلمي الذي له هدف سامي ألا وهو تحقيق وإحياء تراثنا العربي بكل أشكاله وأنواعه .

ونحب أن نشير هنا إلى أن المعهد يكون مفتوحًا للجميع، بغض النظر عن المعتقد أو الديانة، فالتعليم بجميع أنواعه حق متاح للجميع.

* ياحث ومفكر في شأن التراث/ مصر.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *