حَبّةُ رَملٍ في يدِ أبٍ صَالِحٍ..هكذا بدأْتْ مارلين المِشْوَار!!..

حَبّةُ رَملٍ في يدِ أبٍ صَالِحٍ..هكذا بدأْتْ مارلين المِشْوَار!!..

د. محمّد م. الخطّابي*

بعد وخلال قراءة هذا الكتاب القيّم الرّصين للأديبة الألمعية الرقيقة، والإنسانة المُهذّبة الأنيقة المبدعة اللاّمعة مارلين وديع سعادة لن أحذو معها حذوَ عباس محمود العقاد مع بلديِّه ومُوَاطنه، ومُعاصِره وخصمِه الأدبي العنيد مصطفى صادق الرّافعي حيث كان يقول له أمام الملأ بعد أن يرمي بعينيْه خِلسةً ويقرأ عنوان أحد الكتب الجديدة الصّادرة حديثاً  للرّافعي: أنه غداً سيرى، ويقرأ رأيه في كتابه الجديد قبل أن يطّلع عليه، وقبل أن يعرف فحواه!!..
على الرّغم من أنني لم أقرأ كتابها القيّم ولم أطّلع عليه فأنا لن أسلك هذا المسلك، ولن أنحو هذا المنحى مع سليلة الأدب الرفيع، وصاحبة البيان البديع الأستاذة مارلين التي عوّدتنا في كتاباتها الهادفة الخِصبة وإبداعاتها الملتزمة الثرّة أنها تمتلك بحقّ ناصية اللغة المُوفية البليغة التي تسحرك وتأسرك منذ الوهلة الأولى، فأنت لو بدأت في قراءة أحد مقالاتها أو منشوراتها فإنك لن تستطيع أن تجد لنفسك منها فكاكاً.. إنك لن تحيد عنها ولن يكون لك معها أو منها فراق، أو ملاذ أو فرار أو هروب أو إزورار.

خيّ جيديُوس.. ثمار الحرب وقائع وأبعاد
إنها  تقول وتؤكّد لنا مُحقّةً في هذا السّياق أنّ ( قصّة “خيّ جيديوس”، ما إن تُباشرُ بقلب صفحاتها ويجري نظرُك كالماسح الضوئيّ على سطورِها، حتى تستفيق شخصيّاتُها الواحدة تلو الأخرى، تدعوك لترافقَها، تولّدُ لديك الحشرية لمعرفة المزيد عنها، تتابعُ حكايةَ كلٍّ منها بترقّب وشغف يدفعانك للمضيّ في كشف أسرارِها من دون توقّف، ولا تنتهي منها حتّى تدرك أنّك عايشتها ولامست واقعَها، وكأنّك كنت على صلة بها! هذا لسان حال قرّائها وأنا بتُّ واحدة منهم، إذ تفصلني اليوم عن الصبيّة التي كتبَتْها – والتي كنتُها – أكثر من ثلاثين سنة….).

نفهم من ذلك عن يقين أنّ الأدب الحقّ إذن هو الذي يجلو لنا الحقائق التي عشناها في حياتنا ويفجّر الذكريات التي خزنتها ذاكرتنا منذ نعومة أظفارنا، وهو الذي يسمو بنا فوق الصّغائر، ولا يمكننا أن نتفهّمه أو نتذوّقه أو نستسيغه أو نغوص أو نستكنه أو نستغور أو نستبطن أعماقه أو أن نستمتع به إلاّ إذا بذلنا مجهوداً يوازي المجهود الذي بذلته الكاتبة المبدعة عند كتابته وخلقه وإيصاله إلينا في ذلك الهندام الرّفيع وفي ذلك الثوب القشيب اللذين يميّزان كتاباتها، فكلّ المعاني والمزايا والسّجايا التي تطبع أسلوبها السلس العميق تجد طريقها بسهولة ويُسر إلى مُضغ قلوبنا وحناياها لتستقرّ فيها بدون استئذان، نظراً لعمقها ورقتها وبلاغتها وشفافيتها ونضارتها، وصدقها، فضلاً عن التواضع الجمّ الذي يميّز صاحبة هذه الإبداعات الآسرة، هذا التواضع الذي يسمو بها دوماً في أعيننا إلى أعلى علييّن.

بين الأسرّة البيضاء وفى دور العَجَزة والمُسنّين

اقرؤوا معي من جديد وأصغوا واستمعُوا واستمتعُوا إنها تقول بكلّ براءة وبحرفية إبداعية عليا في التعبير والإبلاغ، إنها تقول: ( تابعْتُ الرحلة مع “تلي لوميير” لأكثرَ من سنتين، أُعدُّ البرامج للصغار والمراهقين، أقابلهم في مدارسهم، أرافقهم في مخيّماتم الكشفيّة، في الحقول والبراري والكنائس… أنقل للناس طُرُقَ عيشهم، يوميّاتِهم، وما يتمتّعون به من مواهب..
أيضًا كانت لي حلقات مع المرضىَ في المستشفيات ومع العَجزة المسنّين وحلقات تحمل طابع الأعياد: عيد الميلاد، عيد الحب… والأخ نور يدعم كلّ خطوة من خطواتي ويباركها. عشت الفرح مع مَن قابلتهم، ظهورُهم على الشاشة كان يحمل لهم الكثير من الغبطة، فيقدّمون للناس أجمل ما عندهم ودارت الأيام دورتها واضطرّتني ظروف الحياة إلى الابتعاد عن الشاشة وعن “تلي لوميير”.
حملتني الأيّام إلى أماكن جديدة، نعِمْتُ بخيراتها وجمالاتها، ولكنّني لم أنسَ ذلك الزمن الذي كانت منه انطلاقتي، وأوّلُ شرارة لقصّة “خيّ جيديوس”، إذ نال الكتاب بَعدها تقديرَ رئيس “مؤسّسة شاعر الفيحاء سابا زريق الثقافيّة” الدكتور سابا قيصر زريق، فتبنّته مؤسّسته وطبعته على نفقتها، بعدما حظي بعناية الصديقة روزين صعب رئيسة جمعيّة “لتكن مشيئتك” الخيريّة، التي اعتنت بإخراجه الفنّيّ؛ وجرى توقيعه في معرض الكتاب في كنيسة مار الياس أنطلياس، في تشرين الثاني من السنة 2013؛ فكان المحفّز لي، بعد غياب أربع وعشرين سنة، للعودة إلى الجامعة وإكمال السنة الرابعة من تخصّصي في اللّغة العربية وآدابها، حتى نلت الإجازة التعليميّة في العام 2014، ثم الماجستير في العام 2017…).

أدب مُفعم برُوح المَحبّة ومُترع بنور الإخاء

الصّدق في الإبداع والإصرار على العمل يتفجّران في هذه النصوص العميقة، إنها نصوص على نصوص وأصُص على أصُص، وهذا ما يجعلنا نتسابق ونتلاحق ونتبارىَ وراء هذا النوع من الأدب المُفعم بروح المحبّة والمُترع ب ” نور”  الإخاء والتسامح  والمدبّج بفضائل التصالح والتصافح، والحِلم، والإيثار، والوئام..

كتابات مارلين يطبعها الصّفاء ويميّزها النقاء، ويزيّنها البهاء، ويتوّجها الوفاء، فكأنّ كلّ المعاني الجميلة التي نتوق إليها من وراء اقتناصنا للكتابات التي تتميّز بالنّضج  الفنيّ والجمال الأدبي اجتمعت وتفتّقت من يراع هذه المبدعة المتألقة خُلقاً كريماً، وإبداعا جميلاً وعطاءً ثرّاً وأهدافاً نبيلة شريفة، إنها تقول في ختام هذا العرض القيّم المؤثّر البليغ: (… مضت الأيام وكانت كلّما مرّتْ من أمام مبنى “تلي لوميير” تستعيد ذكرى تلك المرحلة التي بقيت حيّة في نفسها، كما بقي “خيّ جيديوس” حيًّا في دُرْج مكتبها بالرغم من مرور السنين، من دون أن تصعد لتلقي التحية على الأخ نور، يقينًا منّها أن لا قيمة لزيارتها طالما لا تحمل جديدًا للشاشة…

كلّ هذه الذكريات أيقظها من سباتها اتّصال جاءها كيدٍ سحريّة، فتحَتِ لها الدُّرج، ففاحَ العبير! عبير ذلك الزّمن… إنّه الأخ نور بنفسه، في وقت لم تتوقّعه ! اتّصل بها وكلّمها بصوته الخفيض، المثقل بالتواضع، عرّفها بنفسه، فاستحضرته أمامها في لحظة، قال: “أردت أن أسلّم عليكِ وأطمئنّ على عائلتك، فقط “.)

كانت تحيّاتها تصله باستمرار مع الصّديق جان بو عبود، وبطيبة واتّضاع لا مثيل لهما، فور وصول سلامها له، كان يتّصل ويسأل عن حَبّة رمل ظنّت يومًا أنّها ستبقى في أساس عمارته الروحيّة، ولكنّ ريح الزّمن حملتها بعيدًا؛ مع ذلك لم يتجاهلْ سؤالَها عنه، هو الأبَ الصالح الذي لا ينسى أبناءه برغم المسافات…

يا سلام.. نِعْمَ ما كتبتِ، وسًرّ مَنْ قرأ لكِ هذه الأسطر المخملية الجميلة.. لله درّكِ ولا فضّ اللهُ فاك أيتها المبدعة الأنيقة.. رجاءً أكيداً زيدينا أيتها السيّدة المَصُون من نعيم ما أفاء الله تعالى به عليكِ من  فيض عطر حلاوة  البيان، وشذىَ عذب الجَنان، وطلاوة وطلاقة سلاسة اللسان.. كلّ هذه المعاني البديعة تتراءى لنا في كلّ حين وهي تختال مترنّحةً طوعَ أناملكِ والبنان.

* كاتب وباحث من المغرب عضو الأكاديمية الإسبانية الأمريكية للآداب والعلوم/
بوغوتا- كولومبيا. مدريد.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *