“خلف ستائر فيينا” خيط حرير بين الواقع والمتخيل!!..

“خلف ستائر فيينا” خيط حرير بين الواقع والمتخيل!!..

طلال مرتضى*

كما ندعي بأن هناك قارئاً عليمًا، يمكنه فك أكواد المخبوء في دوال الحبر والوقوف على ما تومئ إليه إشارته، حتماً ومن البديهي أن يكون لدينا أيضا كاتباً عليمًا، لديه من الممكنات الكتابية ما يجعله قادر على مواراة مفاتيح نصه، خوفاً من نباهة قارئ عليم هو الأخر قادر بأن يوقعه في دوائر الشبهة التي يتحاشاها جل من يمتهنون بدعة الكتابة..

لعل البعض وفي هذه العجالة يتلمس وكأنني افتعل صراعاً متعمداً بين الكاتب وقارئه المفترض, وذلك من خلال تفخيخي لنقاط تقاطع الالتقاء بينهما، تحت ذريعة، أيهما قادر على اصطياد الاخر أولاً، فالقارئ في عيون الكاتب، ليس أكثر من فريسة صعبة يحاول جرها إلى شراكه الغاوية في محاولة، اسميها الامتلاء، واقصد هنا امتلاء الكاتب بأناه القائمة على مقدرته الابداعية، كي يبقى هذا القارئ أسير سطوره، وهذا ينطبق أيضا على القارئ والذي اسميته في المطالع عليماً، والذي يستشف كل ما هو مخبوء وراء حجاب السطور، ومن باب المناددة، ما يدفع به أن يرد بهجمة مرتدة نحو كاتبه، ليبين له، بأن لعبته مكشوفة.

ما بين صد القارئ ورد الكاتب، تكمن اللذة الكتابية والقرائية (لعبة الإبداع)، هذا بعيدا عن قصة كيل التهم بينهما، لكون القارئ بحصافته وتأويلاته يرد أصول ومرجعية المقروء إلى ذات الكاتب، وكأني به يقول له: أنت بطل حكايتك ..
وهذا ما يعطل في كثير من الاحيان دورة النص المكتوب، لكون الكاتب قد أصبح في موضع الدفاع .

ثمة كتاب كثر تجاوزوا بجدارة مقدمتي العريضة اعلاه، ورموا تلك الحكاية وراء ظهورهم، وذلك عندما استطاعوا _هذه المرة من_ الايقاع بقارئهم شر وقوع، من خلال بدعة اشتغلوا عليها بعناية، دخلها القارئ من خلالها وهو بكامل أهليته القرائية، عندما جعلوا منه شريكاً فعلياً فيما كتبوه، وليس تابعاً أو مفتشاً عن مناقب أو هفوات نصوصهم, تلك وصفة ثمارها أتت أوكلها، لصالح الكاتب وجعلت من القارئ يقف عند حده القرائي، بعيداً عما يدور في أذهانكم الآن من أسئلة مشروعة، تمكنكم من التسليم بما قرأتموه قبل قليل.

أود وفِي بداية الأمر أن أترك سؤالاً وحيداً هنا, وقبل أن أضع إشارة استفهام آخر السطر، ماذا لو وقف أحدكم عند سطر ما ليجيب على سؤال الكاتب, السؤال الذي تركه عن قصدية مطلقة كي تبقى ضمن دائرته؟.

في باكورة أعمالها الأدبية (خلف ستائر فيينا) للكاتبة السورية لوريس فرح والتي صدرت مؤخراً عن دار كنانة للطباعة والنشر الدمشقية.

بعيداً عما يشير إليه العنوان من معطى دال, والذي تقصدت الكاتبة من خلال استبدالها لكلمة (وراء) والاستعاضة عنها بكلمة (خلف)، يتنبه القارئ على الفور بأن الكاتبة وضعت لنا حدثها الروائي ليس ببعيد عن متناول اليده، لكونه خلف ستائر فيينا وهي دلالة للقريب، على عكس لو انها تركته وراء ستائر فيينا، فالحدث مع وراء بعيد جدا، وهو ما يحبط من عزيمة من يريد الوقوف على ما يحدث، لتأتي بعد ذلك كلمة ستائر، وفِي هذا قصدية فادحة، فالكاتبة أردت ان تقول وبكل شفافية، يمكنكم معاينة حدثي الروائي إذا ما امعنتم النظر عما يتراءى خلف تلك الستائر..

وإذ ما عدت نحو فاتحة دراستي أعلاه، للبحث عن دوال الكلام تركت تأويله مفتوحاً, ستتلمس عن كثب بأنني عنيت كل كلمة بما تعنيه، حول اشراك القارئ في لعبة النص المكتوب، وستجد هذا كدليل دامغ تركته لوريس فرح في فاتحة روايتها من خلال الاهداء الذي تركته بدورها بمطلع الرواية والذي استهلته (إلى الذين شاركوني حدث الحكاية بحلوها ومرها وكذلك الذين سيحتفون بهذا الحبر فيما بعد).
بل ولم تتوقف وعلى مدار الحدث الروائي كله عن رمي الأسئلة بوجه القارئ، وخصوصا في مفاصل معينة، حين يبدو بها النص الكتابي وكأنه واقع تحت سطوة مخاض عسير يودي بشبهته المفتوحة على عاتق الكاتبة، وهذا ما جعل لوريس فرح أن تحيل الحلول والاسئلة معاً إلى قارئها، على الاقل لتبدو تحت ناظريه بأنها ليست أكثر من راو أو شاهد عيان (مثله) على حكاية الرواية..
وبصراحة أقولها، تلك بصمة سجلت لها، لأن الاخلاص الكامل للحدث الروائي يوقع الكاتب في مغبة تفاصيله، ومحاولة التحرر من إثمه تنم عن وعي مسبق ودراية كامنة، جعلت من نص لوريس فرح نصاً روائيًا متزناً، يتمثل بخلق حيوات كلنا يعرفها وربما عاش البعض منا تفاصيلها كما هو مكتوب في النص المروي، ولكن الاختلاف يكمن في تلك اللمسة التي حولت من نص وحدث ( خلف ستائر فيينا) نصاً ابداعياً يربط الواقع بالخيال بخيط حريري رفيع وغير مرئي وبالعكس..

تلك الحيوات التي ابتكرتها الكاتبة بعناية لتكون المجال الحيوي لمرويتها، احتاجت كثير من الجهد والتفكر لسد فجوات النص الفادحة، واقول فادحة، لأن الكلمة بعينها هي التوصيف الصحيح لما عنيت، فالحدث الروائي في “خلف ستائر فيينا” ارتكزت قيامته على نقطتين متصلتين منفصلتين هما مدينة دمشق ومدينة فيينا، وقلت متصلتين بفعل الحدث الروائي ومنفصلتين بحكم الامتداد الجغرافي بين عالمين متنافرين ثقافيا ووفي كل المجالات إن صح مقام القول.

وحينما أشرت في السطر السابق إلى فجوات النص المروي كنت أقصد (الزمان الروائي) من باب إن الانتقال بالحدث بين بقعتين مختلفتين وبكل المعطيات، يترك وراؤه ثغرات فادحة، فالخروج من غرفة إلى أخرى لا يتعادل مع من يخرج من دمشق إلى فيينا، سيبدو انكسار خط الزمن واضحاً وشرخاً قد يودي بالعمل المكتوب إلى مهاوي الضياع..

استطاعت الكاتبة ان تردم كل تلك الفجوات الزمنية الافتراضية بطريقة رشيقة وملفتة في كل انتقال، وهذا ما اطلق عليه بعملية ب( اشغال جو) للقارئ، أي أخذه إلى مكان تالي بانتظار أن تكتمل دورة الحدث الحقيقي, وذلك عندما قامت بتبويب معظم فصول الرواية بنصوص نثيرة، تشبه في معطاه الواقعي محطات الاستراحة.

في الرواية (خلف ستائر فيينا) قد تصادف أو نصادف معاً وجوه نعرفها وتعرفنا، ومألوفة لنا بفعل الحياة, ولربما كابدنا وإياه مغبة هذه الحياة أيضاً، شخصيات الحدث الروائي والذين أوسمتهم الكاتبة لوريس فرح بأسماء لا تمت لنا بصلة في هذه الحياة، ولكنني على يقين بأنني استشعر وكقارئ ان تلك الشخصيات تعنيني تماماً وقد تعينكم جميعاً, وقد يصل بكم الحال في نهاية المطاف إلى التحيز لإحداها أو نبذ أو عدم الاتفاق مع أياً منها, هذا لم يتأتى على الورق عبثاً، بل تم الاشتغال عليه لفترات طويلة ليتجسد بالحال الذي عايشتموه على مد هذه الصفحات المتخمة حد امتلائها بلحظات الوجع والفرح، الحب والفرق، الخير والشر..

(خلف ستائر فيينا) هي خلاصة حياة كاملة وكامنة, لكنها قُدت بطريقة البدع المكين لتكون الساقية التي تأخذكم إلى البحر، ولكن حذاري أن تعودوا منها وأنتم عطاشى.

* كاتب عربي/ فيينا.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *