“دولة الكلاب العظمى”.. لآسيا عبد الهادي.. تجسيد الواقع روائياً!!..

“دولة الكلاب العظمى”.. لآسيا عبد الهادي.. تجسيد الواقع روائياً!!..

صالح محروس*

تمثل رواية «دولة الكلاب العُظمى» للكاتبة آسيا عبد الهادي، تجسيداً روائياً للواقع المعاصر وما يعانيه الوطن العربي من مشكلات في عصر العولمة. فهي تحكي قصة آلام وهموم المواطن العربي بشكل خاص، وهموم مواطني العالم الثالث بشكل عام، وكيف يتم التلاعب بملايين من الناس التي تموج حياتهم في الفقر والبطالة وشظف العيش والدكتاتوريات، وتشرح ما يتعرضون له من بلاء بعد أن تكالبت عليهم عقول شيطانية استغلت حالة الضعف والهوان والحاجة والجهل.

تميزت الكاتبة آسيا (خولة) عبد الهادي، بأسلوبها الشيق والسردي الذي يجعلك متشوقاً لمعرفة ماذا حدث لـ«حليمة» بطلة الرواية والتي اتخذتها الكاتبة رمزاً للوطن العربي وجسّدت صمودها ضد الأفكار الشيطانية وابتكارات الأذى في عالم بلا قيم أو مبادئ.

فهذه الرواية لا تتحدث عن دولة بعينها، بل تتحدث عن النظام العالمي الجديد في عصر العولمة الذي يمسك بقبضته البشعة بتلابيب الشعوب ومقدرات الأمم ليضعها بين يدي تجار السلاح والموبقات بكل أنواعها من دون رحمة أو شعور مع آلام الفقراء وتأوهات الجوعى والمحرومين، مسخّراً أدوات الإعلام المضلّل الذي يتلاعب بمشاعر الشعوب ويزيّف واقعها ويغيّر ويوهم ويكذب، فترتضي الشعوبُ الذلَّ والهوان من أجل لقمة عيش مغموسة بكل أنواع الظلم والقهر والاستغلال.

في زمن العولمة الظالم، يتم طرد مصالح شعوب ملايين من البشر لمصالح حفنة انتزعت الرحمة من قلوبها وأصيبت بالسعار اللامحدود لجمع الثروة ومليارات الدولارات من دون وازع من ضمير، ثم لتتمنّن على شعوبها بالفتات لتشتري سكوتها وتضمن مواقفها في أرخص وأحط عملية ابتزاز وسلوك دولي يشهده التاريخ.

في الرواية التي تتألف من 26 فصلاً، نجد توصيفاً تاماً وحقيقياً لكيفية تسيير أمور هذا العالم بيد شياطين تدعي الديمقراطية والحضارة وحقوق الإنسان في الوقت الذي تدوس فيه على كل المبادئ لتلتهم ما تبقّى لهذه الشعوب مما يسد رمقها ويرفع عنها الجوع والحرمان. فهم يدّعون الدفاع عن الديمقراطية، لكنهم عند أيّ موقف ديمقراطي يتخلّون عنها. ويدّعون الدفاع عن حقوق الإنسان، وها نحن نرى العجب مما يدمر هذه الحقوق، بل يلغيها ويتجاهلها. ويدّعون محاربة الفقر في الوقت الذي ينهش فيه الفقر أجساد فقراء العالم. ويدّعون محاربة الاستبداد في الوقت الذي يعيش الاستبداد فيه مجدَه!

وأظهرت الكاتبة في هذه الرواية أن العالم في هذه الأوقات غابة وحوش لا رادّ لها إلا إذا قام أصحاب الضمائر والمثُل ليقفوا في وجه هذا الغيّ ويقولوا «كفى»، كما فعلت بطلة هذه الرواية «حليمة» التي كبر سنُّها ولم تتزوج، والتي تمثل الأمة العربية. فهي وقفت بصلابة وقوة رغم وحدتها وعنائها وتكالُب الأعداء عليها، ورغم الإعلام المحبط والأصوات النشاز التي تحاول شدّها الى الأسفل.. وقفت حليمة وحدها لتمزق كل ذلك وتنهض من جديد رافعةً رأسها مدركة أن تنازلها سيفتح شهية الظالمين للمزيد والمزيد، ولتكتشف أن الشباب هم عصب هذه الأمة ومنقذوها ورافعو رايتها.

وفي هذه الرواية صورة حقيقية لكل التشوّهات التي تعاني منها مجتمعاتنا التي أحدثها زمن العولمة، ذلك الذي يتجاهل القيم على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والعالم، مما أوجد النفاق وعدم الغيرة وتفرق السُّبل.

«دولة الكلاب العظمى» رواية تتصفح التاريخ، وتـُسقطه على الحاضر، لتوقظ الضمير الإنساني من سباته، وتضعه أمام مسؤوليته، بعد أن تكشف له -بجرأة، وبجماليات متقدمة، بعيداً عن الوضوح والمباشرة- النقاب عن الدول والشخصيات التي ساهمت في إحداث المآسي التي تعرّضت لها الأمة العربية. ورمزت للدول الاستعمارية بأسماء مستعارة وحيوانات.

وتتميز هذه الرواية بذلك التقطيع والتداخل الذي أوجدته «آسيا عبد الهادي» بين أحداثها، عبر انتقالها من المشاهد الواقعية إلى مشاهد أخرى مـُتخيّلة، متخذة من المرأة رمزاً للعدوان والفناء حيناً، وللخصب والمقاومة وتجدد الحياة واستمراريتها في معظم الأحيان. وفي هذه الرواية رصد لما يـُقطـّع نياط القلب من الانتهاكات والممارسات المعادية، التي نفذها الاستعمار، بدعم ومؤازرة من عدد لا يُستهان به من الدول العظمى.

لم تلاحق الروائية المحطات التاريخية الكبرى على الصعيد السياسي فحسب، بل واكبت أيضاً التطورات التي حققتها الرواية العربية عبر تموّجاتها، فهدمت الكثير من العلاقات بين الأحداث، وكسرت التماسك الذي جمع بينها، واشتغلت بمنطقة التفكيك والتشتيت، موجدةً لكل حدث، ولكل شخصية، وجهاً قابلاً للتعدد في المرايا وفي الرواة، ومن هنا أبدعت في تشويق قارئها وإدهاشه، رغم تجاوزها للتكثيف، وإطنابها في تفاصيل حكاياتها المستقاة من زمن العولمة.

تحكي الكاتبة عن شخصية «حليمة» مديرة المدرسة، التي تكتشف وجود بيت صغير غامض قرب منزلها الريفي، وتخوض مغامرات لمعرفة حقيقة هذا البيت وساكنيه. وتقدم آسيا عبد الهادي تلك المغامرات على شكل حكايات أسمتها «حكايات زمن العولمة»، وقدمتها بطريقة سردية مميزة تدمج القارئ في قالب النص وكأنه يعيش المغامرة.

وعن رواية «دولة الكلاب العظمى» قالت الناقدة هيا صالح، التي قدمت للرواية: «إنها تتعرض لما يعيشه العالم العربي من حروب وصراعات، وتكشف كيفية إحداث الثغرات وتشويه الحقائق والتلاعب بالعقول». وأضافت أن الكاتبة استوحت حبكتَها من الوقائع التاريخية والأحداث السياسية والاجتماعية، وتعكس نقداً لمجرياتها بشكل يتّخذ من الرمز أسلوباً لبناء اﻷحداث والحبكة الروائية، ومن الغموض والترقب مادةَ تشويق. وتابعت: «هذا العمل المصاغ ضمن إطارَين زمانيّ ومكانيّ محكمَين، يستثمر الرمزَ وفق وعيٍ بأهمية تفاعُل الشكل والمضمون بما يخلق نوعاً من التوازن بين العناصر الجمالية للشكل والمحددات الفنية للرمز، كما يحيل الرمزُ إلى دلالاتٍ تثير فيوضاً من الأسئلة، كلُّ إجابةٍ على أحدها تشعلُ سؤالاً جديداً، وهكذا في متواليةٍ تقودنا ببراعةٍ لنعيش الأحداث».

ومن هذا السرد القصصي، الذي يمزج بين الواقع والخيال في هذه الرواية، مشهد وقوع الآنسة «حليمة» في يد المجرمات اللواتي تفنّنَّ في إيقاع الأذى بها:

(ميركا): سحبت مسدساً من ثنية تنورتها وقالت: نقتلها وندفنها في الغابة ونخلص من شرِّها.

(مانيا): نجعلها حقلَ تجارب.

(رنسا): أُشغـلها معي في تجارة الرقيق، تبدو جميلة مكتنزة؛ رجال البلد يُفضّلون هذا النوع.

أما (بوما) الماكرة حاملة المفاتيح، فنهضت من مكانها تبحث في جيوبها. فتشتها وقرأت البطاقة التي تحملها، نظرت إليهن وابتسمت بخبث وقالت: هذه بضاعة مُهمة وثمينة، هذه مُديرة مدرسة، ولديها الكثير من سيدات المستقبل.. المستقبل كله بين يديها فكيف نقتلها؟ هههه، نعمة وهبطت علينا من حيث لا ندري.. نقتلها هكذا ودون ثمن! مُغفلات.. ساذجات.. هذه المخلوقة ستوفر علينا ولنا الكثير، فمئات البنات والمُدرسات، والأمهات بين يديها.. هذه لعبتنا الجديدة.. نُفسد أمهات المستقبل فيفسد الجميع.

ثم تتوالى فصول الرواية على شكل قصص منفصلة متّصلة. منفصلة من حيث الانتقال بالحدث من مطرح إلى تالٍ حين يصير هذا الانتقال ضرورياً لفتح خطّ تالٍ. ومتصلة كون الحكاية تُسرَد على لسان الشخصيات أنفسها التي اجترعتها الكاتبة للمهمة عينها.. ورسمت الكاتبة شخصيات المروية بوجوه حيوانية واستنطقتها على الورق. ويأتي دور الكاتبة بأنها برعت في تركيب الحكاية من ألِفها إلى خواتيمها، من حيث إقناع القارئ. وتبيّن هذا من خلال حراك تلك الشخصيات على أرضية الرواية بالأفعال والأحداث ومن خلال دلالة الأسماء التي صبغتها بها فنياً.

استطاعت الكاتبة من خلال عملها تمرير أحداث كثيرة وقصص من خلال أدوار تناوب على افتعالها شخصيات الرواية الافتراضية، حمير وذئاب وكلاب وغيرها من الحيوانات والمخلوقات كالجنّيات الساحرات، بسلاسة متناهية ومنسجمة حول حراكها وما يدور في فلكها من دون إرباك.

ومما لا شكّ فيه أنّ كل ما رمت إليه الكاتبة على ألسنة شخصياتها الافتراضية والحقيقية واقعيّ، وهو ما نعيشه كل يوم في حالاتنا السياسية المتداعية، وما آلت إليه بلادنا من هموم وويلات وتفكّك، والذي انتهى بفاعلية السرد، أشبه بحلم كاذب نعرف جميعاً أنه لن يتحقق في وقتنا هذا.

وتجدر الإشارة إلى أن بيت الجنّيات الذي تمّ زرعه في السهل الفسيح، هو لا يمثل في الواقع الملموس إلا تلك البقعة السرطانية «إسرائيل» في الجسد العربي.

*كاتب عربي.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *