سيميائية الألوان.. دلالات ومفارقة.. جيرليندي ماركتل انموذجا!!..

سيميائية الألوان.. دلالات ومفارقة.. جيرليندي ماركتل انموذجا!!..

طلال مرتضى*

لعل الفنانة النمساوية Gerlinde Marktl)) جيرليندي ماركتل, أرادت الخروج عن طقس زميلاتها من الفنانات التشكيليات في مدينتها غراتس النمساوية والتغريد من خلال سرب فني يقدمها كفنانة تشكيلية مختلفة..

فالكثير ممن عرفتهن في هذه المدينة الصاخبة بالألوان الأنثوية, كانت تجاربهن متقاربة من حيث تقاطعات الأفكار والخطوط التي يلتقطها القارئ وهي ذات مرجع مكاني بحت (طبيعة ومكان) وهي إحداثيات نلتقطها ضمن سياقات الأدب المكتوب والتي تساعدنا على قياس قيمة الزمان والمكان..

فالتجربة الفنية للسيدة “جيرليندي ماركتل” جديرة بالقراءة والتوقف على نواصي دلالاتها. ومن العبث أن يمر قارئ العمل الفني على إحدى لوحاتها ولا يتوقف, فهي قد نصبت فخاً محكما له لتسقطه في غواية ما ارتكبته من إثم اللون المغاير..

أرتأت الفنانة أن تذهب نحو ستايل جديد وملفت, وهو رسم المدن والشوارع والحضور والحدائق وناطحات السحاب وغيرها..

لربما يسأل أحد ما عن الإضافة الجديدة التي قدمتها الفنانة من خلال هذا الخط الذي انتهجته, وهنا لا بد لي من أن أقول, لقد استطاعت لفت الأنظار إليها من خلال استعمالها لألوان عصرية ساطعة, فهي لعبت على متخيل المتلقي أو الرائي والذي ولمجرد وقوفه أمام لوحتها حتى ينزاح إلى موضع أخر..

تلك اللوحة التي اتخذت حيز معين من شارع ما, غالباً ما يذهب العقل الواعي نحو المقاربة مع مثيل لها, لذلك نجد إننا قد نقابل هذا العمل بمثيل له, وعلى سبيل المثال ما نراه من صور هونغ كونغ أو مدينة نيويورك أو المدن المضاءة الأخرى..

على الرغم من شدة سطوع الألوان التي كثيراً ما نعرض عن الوقوف أمامها وذلك لأننا نتلمس ارتداد صدى ألوانها في عيوننا يسبب حالة تشوه بصري مزعج..

لكننا نرى هنا نجد لهذه الألوان تيّمة مغايرة ودلالات مفعمة بالحياة.

لقد استطاعت “جيرليندي ماركتل” كسر هذا من خلال انتقاء تلك الألوان بعناية وترتيبها في أماكنها الصحيحة, فقد تعاملت مع هذا بدراية فاعلة عبر قياسها لسطوع الجهة التي سوف تطالها أشعة الشمس, فتلك الجهة تحتاج سطوعا أكثر من الجهة الأخرى والتي تتعرض لضوء النهار العادي..

فهي لم تتوقف عند هذا الحيز فقط, ولم تبقى في زاوية بعيدة لترسم حضور المدن الصاخبة وعوالمها المختلفة, على سبيل المثال, فقد انتهزت فرصة جائحة وباء كورونا الذي ستبقى علامة فارقة على وجه التاريخ, حيث رسمت الشارع العام لتلك المدن المكتظة, تلك المدن التي تعاني فروقاً اجتماعية وطبقية وسياسية ودينية وغيرها, لكن الفكرة التي ذهبت الفنانة لتدوينها من الشارع, أن البشر تحت رضوخهم جميعا لارتداء واقيات الوجه قد تساووا جميعا, فالوباء ساوى بين كل أطياف البشر..

“جيرليندي ماركتل” هي أيضا ابنة طبيعتها الخلابة وبعيدا عن قصص المدن التي ارتكبتها عن قناعة, فهي لم تستطع الانسلاخ منها, فمدينتها “كراز” من المقاطعات النمساوية ذات الصيف الآسر والطبيعة الشاهقة من حيث عدد بحيراتها والغابات..

قدمت الفنان في هذا السياق عدة أعمال تشكيلية, هي أشبه بتدوينات أو توقيتات خاصة, لم تردها أن تمرر هكذا على هباء, فهي استطاعت التقاط صور لفترات الشروق والغروب وانعكاسات الظلال في البحيرات أو ذوبان خيوط الشمس في الغابات.. قهي ترى الشروق والغروب بعين مختلفة غير العين المألوفة بالنسبة لنا, وتلك هي لعبة الألوان التي تطوعها لصالح الفكرة التي تراها بعينها لا بعين الواقع المرئي..

ثمة خطوط أخرى وكثيرة وأفكار عبرتها ريشة الفنانة “جيرليندي ماركتل” برشاقة متناهية لتجسد فناً راقيا ومريحاً للنفس والعين معاً, وهو جدير كل الجدارة للتوقف أمامه لتبيان الرموز المخبوءة ضمن تفاصيله الناعمة من جهة, والصاخبة من جهة تالية, فالمرور وبهذه العجالة أنا أؤكد بأنه ظلم وجور لتلك التجارب الفنية الفارعة.

*كاتب عربي/ فيينا.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *