شطرنجيات صريحة..

شطرنجيات صريحة..

الحرب في عيون “بهية” انكسار أم انتصار؟!..

 

يكتبها رئيس التحرير*

 

 

لا تتوقفي أيتها الحرب, حريٌّ بكِ أن تستمري دون أي التفاته إلى غبار الحكاية, البلاد لم تزل عامرة بأخضرها ويابسها.
أُتركِ لرحاكِ تدور, تدور دون منة, وحدهم المارقون من يودون إخماد وهج جذوتك. أنا أدرك بالسليقة أنكِ قمتِ كي لا تتوقفي, أعرف أنك مؤمنة حد التبهل, فتتبعت العلامة كي لا تظلي دربك: “كل ما عليها فان”.

وأفهم بأنك كافرة حد الإلحاد, حين تحز سكاكين نشوتك رقاب الابرياء باسم الله أكبر, الله أكبر على من ثار وأنكر..

لا تتوقفي مهما كان هول الخسارة كبير, كل الخسارات أمام عنفوانك رخيصة لا قيمة لها, أُتركِ لساستك حرية عقد صفقات السلام السرية والمعلنة منها, الكل يعلم بأن التصاوير التي تبثها التلفزيونات العالمية من قاعات فيينا العامرة وجنيف ممنتجة حدّ الانمساخ, ليست سوى ذر ملح في عيون المتعبين.

من قال في مطالع الحكي, في الحرب الكل خاسر, تلك كذبة أخرى نبرر بها عجزنا, نحن الذين ولدنا فيها سفاحاً. في بطاقتي الجديدة مكتوب, تاريخ ومكان الواقعة _لدينا نحن مفرز هذه الحرب قناعة بأن التاريخ العربي كله كذبة بدأت قبل التكوين_ لذلك لم يدوّن موظف دائرة النفوس تاريخ ميلادي, لكنه يعرف تماماً بأن واقعتي أتت من “جهاد النكاح”..

لا تصدقوا هذا العقد الذي ربط أمي بأبي, أنه حجة دونت باسم الله, كي يبرر اغتصابه لها, لهذا عندما انجبتني بعد حرب مخاض عسير, غادرت دون أن يرف لها رمش ندم.

لا تتوقفي أيتها الحرب وتصغي لترهات اليتامى والأيامى ومن لف لفيفهم, ما كان يجدر بهم العيش, بعد أن تبين بأن “لولا فسحة الامل” خدعة مرروها كي يستمروا بالركوب على ظهورنا كمطايا بحجة أن الحياة أجمل من الجنة..

الذي قال: الكل خاسر في الحرب كاذب, ها هي البلاد صارت الف ملة وملة, الف منطقة ومنطقة, ألف فصيل وفصيل, الف غاني وغانية, الا لعنة الانسانية كلها على من أفتى الكل خاسر. ماذا يعني أن نكون لون واحد, قلب واحد, يد واحدة, وهل تصفق اليد واحدة؟, ها نحن نصفق, نصفق بعضنا بعضاً حتى الانطفاء، دونما يفئ أيّ منا إلى الآخر وهذا أضعف الأوزان.

لا تتوقفي أيتها المجنونة رحمة بنا, كل ما خسرته آنفاً, عدة جدران كانت آيلة للسقوط فوق رأس أولادي, خسرت مجموعة ممن كانوا ينادوني بأخي, مجموعة منافقين كان يُلقبون بالأصدقاء, تقاسمت وإياهم كل أصناف القهوة الحلوة والمرة. جلهم تبولوا قهوتي آخر السهرة في فروج زوجاتهم العاقرات..

شكراً لك أيتها الحرب, شكراً لقابيل الأول وهابيل الذين سنّوا دساتيرك.
كان الغراب الأهوج يعرف الثمن, يعي أن أية حرب, مهما كبرت فواتيرتها وعظمت ويلاتها, يستطيع التراب مواراة أثارها بفعل السياسة..

شكراً لكِ أيتها الحرب, علمتني أن الله في سوريتي كان محظ ادعاء, وأن مخافته شماعة كان يجلودننا بها في حصة التربية الاسلامية.
كنت أغبى من عليها حينذاك وأنا مسافر وصديق إلى محافظة ارتفعت في بهو سمائها مآذن كنائس وجوامع فاق عددها عشرات المرات على عدد المدارس, همست بأذن صديقي:

_ أكثر البلاد التي يتواجد الله بها.. “سوريتنا”, أنه هنا _الله_ موجود بكثافة”.

عجبي, بعد شهور من رفع قانون الطوارئ, خسرت ألف خل, لم أعرف لمرة أنهم من طوائف أخرى, وعرفت باليقين أن الله كان بيننا بسلطة المخابرات, كنا نعبده خوفاً منهم وليس منه.

لا تتوقفي أيتها الحرب مهما تعالت الصيحات, في الحرب كلٌ له غنيمته, الفقير والغني, الكبير والصغير, اعرف الكثير من ابناء الفقراء صاروا امراء حرب, وكم من المارقين تبوؤا مناصب رفيعة في حكومة الخبز الذي صار حكراً لها, وأعرف وأعرف وأعرف, ولو عددت مكاسب الحرب, لجف حبر الحكاية وأنا في طور الكتابة: أعرف وأعرف..

آما قالوا أن التاريخ يكرر ذاته, ها نحن عبرنا البحر دون خوف, أسوة بطارق بن زياد وفتوحاته الزائفة التي لم تدم, طارق بن زياد هذا, هراء زينوا به تاريخ العرب, العرب الذين لم يزالوا يتباهون بأنه أحرق السفن, يهللون لخطبته العصماء:

_ البحر من ورائكم والعدو من أمامكم.

ها هم السوريون وحدهم كسروا رهبة البحر, ذلوا عنفوانه بعد أن عبروه بمراكب مطاطية, دهموا سواحل القارة العجوز على مرأى من عيون الاقمار الاصطناعية دون خوف أو وجل, إنهم السوريين ي بن زياد..

لم يأتوا البلاد فاتحين بحد السيف, تذكرت.. بعد إبحار لمدة “18” ساعة, ذات هجرة, كم من آيات الذكر الحكيم قرأنا.. كنت متيقناً لفرط خشوعنا بأننا في تلك الساعات لو أقسمنا على الله أن يكون, لكان.

وحين وصلنا أول جزيرة, بعدما شاهدنا صور أنكر ونكير متجلية على وجه الماء, أول ما أولمنا عربونا للوصول أقداح الخمرة.

لا تتوقفي أيتها الحرب المثكولة بك, فلقد صنعت منا رجالا, وصنعت منا فحولاً.

كثيرون مما كانوا يصنفون من فصيلة الارانب, الان صاروا قادة بقوة البنادق والبلطجة, بقوة مفاتيح خبز المستضعفين التي استحوذوها, وحين يسقط أحدهم صريعاً, تقوم القيامة وتهلل الدنيا كلها لفراق البطل, البطل الذي مات أمامه ألف شهيد فقير, دفنهم أهلهم بصمت كي لا يكسروا رتم النشيد..

أنا أول فحولك أيتها الغانية, فلا تتوقفي, هل تعرفين ماذا يعني ان تتوقفي؟!.

أنه لمن الجنون أن تفعلي هذا وتتوقفي, لم نعد نحتاج بالمطلق لحبوب الفياجرا والجينسينغ..

من فوائد الحرب إننا تعلمنا ممارسة الجنس عبر وسائل الاتصال الحديثة التي لا تحتاج إلى منشطات, يمكن للفحل منا مضاجعة أكثر من امرأة في محادثة واحدة..

لم تكن “بهية” زوجتي لتصدق بأنني استطيع ممارسة الجنس معها حتى مطلع الصباح عبر “الواتساب” اللعين.

انها لئيمة بما فيه الكفاية حين طلبت ذات مرة أن أفتح لها الكاميرا للتأكد بأنني وحدي وليس من غانية أضاجعها باسمها..

نحن هنا أيتها الحرب _في المغترب_ نسطر أسمى أنواع الكفاح الافتراضي, ندون التاريخ من جديد, نفتحه حسبما تتطلب الحالة والتكلفة, لكل عصر فتوحاته ورجاله, ولكل فتح مبين ثمن..

وانه من أضعف أنواعه وأثمانه يستطيع السوري فض بكارة أي غانية بما يعادل “30” يورو فقط, وهو فرض كفاية على اللاجئين المستضعفين, ثم يرسل لها صديقه ليكمل الحكاية وتستمر إلى اللانهاية حكاية الفض المبين.
صديقي “أبا يغن” لم يترك غانية الا ومهرها بتلك “30” يورو, ليس كل هذا اشتهاء وفحولة, فهو لم يقل لزوجته التي بقيت تكدح في البلاد للحصول على الخبر, كلمة ناعسة يمني بها روحها العامرة بالشباب..

بل كان يفعل هذا انتقاماً منك أيتها الحرب, أراد إذلالك أمام الجميع, ذات مرة همس بأذنه أحد مؤيدي المعارضة:

_ أرحم نفسك يا رجل.. تلك الغانيات الشقراوات ليسوا أوربيات.. ولا يد لهن في الحرب القائمة في البلاد.. أنهن روسيات ليس الا.

كانت صدمته كبيرة, قال لي: أنا مثل ذاك الذي كان يتف في بهو السماء.

لا تتوقفي أيتها الحرب حتى تقوم القيامة ويظهر أعور دجالها, إن توقفت سوف نسقط جميعاً, ننكشف جميعاً, تصير الفتوحات التي دفعنا عليها دم أرواحنا دعارة موصوفة..

بصراحة..
أشعر بالخزي أمام استنكار “بهية”, عندما تكتشف بأن ساعات المضاجعة التي كنت أولمها لها عبر الشابكة, ليست الا عصف مأكول.

 

* طلال مرتضى/ فيينا

 

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *