عن المناظرة والحوار ودورهما في النهوض بالأدب!!..

عن المناظرة والحوار ودورهما في النهوض بالأدب!!..

د. يسري عبد الغني عبد الله*

       يلعب كل من الحوار والمناظرة دورًا مهمًا في النهوض بالأدب وكذلك في تبادل الثقافات بين الشعوب، وعليه فهو يعد من العناصر المهمة التي نقوم بدراستها في الأدب المقارن، ويقوم هذا النوع على شرح وجهتي نظر مختلفتين، أو عرض صورتين أدبيتين متقابلتين، أحدهما بجوار الآخر.

       ولهذا النوع وجود كبير في كتب الأدب العربي، بل نجده في الكثير من كتب الفقه والتاريخ، حيث نجد بعض فصول هذه الكتب تتحدث عن آداب السلوك، أو تصف الأخلاق أو تتحدث عن العلماء وأخلاقهم، مثل كتاب (أخلاق العلماء) للمحدث الفقيه/ محمد بن الحسين أبو بكر الآجري، المتوفى 360 هـ، ومن الذين اهتموا بموضوع المناظرة وآدابها وأثرها على الأدب والفكر الإمام/ الغزالي في كتابه (إحياء علوم الدين) حيث أفرد لذلك الباب الرابع .

       ومن ذلك أيضاً كتاب (المحاسن والمساوئ) الذي كتبه / إبراهيم بن محمد البيهقي، الذي يرجع ظهوره إلى أوائل القرن الحادي عشر الميلادي وكتاب (المحاسن والأضداد) الذي ينسبه البعض إلى عمرو بن عثمان بن بحر الجاحظ .

       كما يبدو أثر الحوار والمناظرة في الجدل السياسي والديني والعنصري الذي ظهر بشكل واضح في العصرين الأموي والعباسي والذي ترجم بجلاء الصراع المذهبي والفكري والقبلي .

       ولهذا مظاهر في الشعر نذكر منها: الشعر المسمى بالنقائض والذي شاع وانتشر في العصر الأموي ووجد تشجيعاً كبيراً من الجمهور والعلماء والحكام وشارك في جولاته شعراء العصر الأموي أمثال: الفرزدق، جرير، الأخطل، البعيث والراعي النميري.. وغيرهم.

        وفي هذه الأشعار يبدو أسلوب المناظرات ، والتباهي بالأحساب والأنساب والصفات المختلفة وعلى الرغم من عدم موافقة الإسلام على هذا النوع من الشعر ، إلا أنه أثرى اللغة العربية ، وحافظ على الكثير من الألفاظ والمفردات التي كادت أن تندثر، كما تعد هذه النقائض سجلاً لأيام العرب ووقائعهم وأنسابهم وقبائلهم في الجاهلية والإسلام .

ومن ذلك الجدال الذي كان يجري بين الأحزاب السياسية في العصر الأموي، وقد عبر عن وجهات نظر كل حزب شعرائه وخطبائه و مفكريه .

       نضيف إلى ذلك المحاورات التي كانت تدور حول الفرق الكلامية المختلفة..

       وربما وجد العرب فيما نقل عن أفلاطون وأرسطو فيما سمي بالجدل الخطابي منطلقاً لما أُلف من كتب تعتمد على الجدل والحوار والمناظرة، كذلك من قام من الكتاب بالنقد للجدل أو للحوار أو للخطابة في الكتب العربية .

       ونذكر هنا أبي حيان التوحيدي أبرز كتاب القرن الرابع عشر الهجري ، ذلك الأديب الأريب الذي تميز بسعة الاطلاع على الفلسفة والمنطق وعلم الكلام، حتى اعتبره ياقوت الحموي في كتابه (معجم الأدباء): أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء، إلا أنه عاش أكثر حياته فقيرًا بائسًا حتى إنه نقم على الناس وأحرق كتبه في نوبة غضب لأنها لم تجده نفعًا ولذلك ضاع كثير من آثاره .

 وأفضل ما بين أيدينا للتوحيدي كتابه (الإمتاع والمؤانسة) والذي جعله على نمط يشبه كتاب (ألف ليلة وليلة) فقسمه إلى 37 ليلة وسرد فيه ما دار خلالها بينه وبين الوزير العارض وزير بني بويه، الذي كان مجلسه منتدى فكريًا وأدبيًا وثقافيًا ، يدور فيه العديد من المناظرات والمحاورات ، ويبدو أن هذا الوزير كان مثقفًا ، فهو غالبًا ما كان يقترح على أبي حيان التوحيدي موضوع الليلة وبمعنى آخر موضوع المحاورة أو المناظرة التي سوف تتم في المجلس .

نقول: كم من محاورة ومناظرة في العلم والفلسفة و الشعر والنثر والظرف والنوادر تمت في هذا المجلس بين أبي حيان والعديد من العلماء والأدباء في عصره ونلاحظ أن طريقة الحوار كانت تشبه إلى حد كبير طريقة شيخنا / الجاحظ في عدم الخضوع لمنهج واضح ، ويجدر بالذكر أن أستاذنا الدكتور / أحمد أمين (رحمه الله) قام بكتابة مقدمة علمية ضافية لإمتاع ومؤانسة التوحيدي ، يمكن أن يستفيد منها من يبحث في فكر التوحيدي وإبداعاته .

       لقد حفظت لنا كتب الأدب أخبار تلك المجالس والمنتديات التي جرت فيها المحاورات والمناظرات ، حيث كانت تعقد الحلقات وتجرى المناظرات وتبحث قضايا الفلسفة والفكر ، وشؤون الأدب والعلم ، وقد شاعت في العصر العباسي المفاضلة بين فنون القول وضروب المعرفة كالمفاضلة بين الشعر والنثر أو بين النحو العربي والمنطق اليوناني أو بين الفلسفة والشريعة حتى غدت هذه الظاهرة من سمات الحياة الفكرية في العصر العباسي .

       وغني عن البيان أنه في العصر العباسي نشأ جيل ممتاز من العلماء والكُتاب والفلاسفة واللغويين ، وكان أبو حيان التوحيدي من أنبهم شأنًا، وقد بدا تكوينه الثقافي الطابع الموسوعي الذي رأيناه عند الجاحظ .

       أما الأثر اليوناني فقد تجلى واضح المعالم في كُتاب العصر العباسي ومنهم التوحيدي ، بعد أن غدا المنقول من كتب الفلسفة والمنطق كبيرًا ، وعليه فيمكن القول أن هذا العصر وصل إلى القمة في الجدل والمناظرة ، والمقارنة والموازنة  حيث أولع مثقفوه بهذه الفنون ..

       وما أكثر ما تروي لنا الكُتب القديمة من أخبار المفاضلة بين الشيء وضده ، على نحو يذكرنا بالسفسطائيين اليونانيين ، هؤلاء الذين كانوا من أصحاب الجدل الذين يصطنعون الحجج في تأييد الرأي وفي نقضه معًا ، فلم يكن للحقيقة ذاتها شأن عندهم ، وقد تصدى لهم سقراط وفند مذهبهم وأخمل شأنهم ، وكان ذلك حوالي القرن الخامس قبل الميلاد .

       وفي ثقافتنا العربية الإسلامية كان رجال المنطق وعلم الكلام وبخاصة فرقة المعتزلة من أقدر الناس على الخوض في مثل هذه المفاضلات لما تتطلبه من اطلاع واسع ومقدرة بيانية ، وثقافة فلسفية ، ودون مبالغة فإن أبا حيان التوحيدي خير من يمثل تلك الفئة ممن توافرت فيهم هذه العناصر . 

       ويرجع بعض الباحثين نشأة الكتب العربية القائمة على الجدل والحوار إلى ما تأثروا به من الأدب الإيراني القديم ، وما ورد في شكل حوار أو جدل ، مثل حوار بين (النخلة والتيس) الذي ورد في كتاب عنوانه (الشجرة الأشورية) .

       ويبدو أن عملية التأثر والتأثير حدثت بين العرب والفرس على نطاق واسع في هذا المضمار ، فكما يقال أن العرب تأثروا بالفرس في الأدب ، وفي بعض جوانب الحضارة ، فإن الفرس أيضاً تأثروا بالعرب في المناظرات والحوارات ، التي تجلت في كتب المقامات العربية ، وبالذات مقامات أبي القاسم الحريري ، والتي تعد أساساً تأثر به القاضي / حميد الدين البلخي في مقاماته الفارسية .

       والقارئ للشعر العربي في عصوره المختلفة يلمح بوضوح وجود أسلوب الحوار في بعض قصائده ، ولعل أوضح مثال على ذلك الحوارات التي وجدناها عند شعراء الغزل في العصرين الأموي والعباسي ، ناهيك عن الحوارات الرائعة التي نجدها في القرآن الكريم .

       ونحن نرى كثرة أسلوب قال وقلت في الشعر العربي القديم ، ولعل أبرز مثال على ذلك أشعار العذريين مثل : جميل بن معمر صاحب بثينة ، وقيس بن الملوح العامري صاحب ليلى ، وكذلك نجده عند أمير شعر الغزل الحسي في العصر الأموي / عمر بن أبي ربيعة .

       واتبع ذلك النهج شعراء آخرون في العصور التالية ، ويبدو ذلك جلياً في أشعار أحمد شوقي أمير شعراء العصر الحديث .

       وفي الشعر الفارسي شيء من هذا اللون المبني على المناظرة والحوار ، فيرد فيه قول المناظر أو الخصم أو الحبيبة ، ثم ترد الإجابة .

       وعلى هذا نرى أن الحوار والمناظرة  في الأدب الإنساني طريقة اتبعت ونقلت بعض آثارها من أمة إلى أخرى تأثراً وتأثيراً ، مع الاعتراف التام والكامل بوجود أصول لها في أدبيات الشعوب الأخرى.

* باحث ومفكر في شأن التراث/ مصر.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *