قصص الحياة في عِلْم النفس السردي (2)!!..

قصص الحياة في عِلْم النفس السردي (2)!!..

د. فايزة حلمي*

إنها مشكلة مُحَيّرة: يستخدم الناس القصص لفهم الحياة، ولكن إلى أي مدى تعكس هذه القصص حقائق الحياة؟ حتى السماح لحقيقة أن الناس قادرون على سرد القصص المعقدة, حقيقة غير واضحة، فالتحيزات والاختلافات الشخصية، أو العواطف يمكن أن تدفع مختلف الناس لرؤية الحدث نفسه بشكل مختلف, وبالنظر إلى مدى تأثر البشر بالذكريات الخاطئة، فمن الذي يقول إن النقاط الرئيسية تشير إلى قصة حياة شخص ما قد حدثت بالفعل ، أو حدثت بالطريقة التي ظنوا أنها حَدَثت بها ، أو تسببت بالفعل في الآثار التي ظهرت منها؟

يقول باسوباثي Pasupath: “السرد به القليل مِن الأكاذيب, وبعض الأكاذيب بها الكثير مِن الحقيقة”, تنظيم الماضي في سرد ​​ليس مجرد طريقة لفهم الذات ، ولكن أيضًا محاولة للتنبؤ بالمستقبل, وهو أمر مثير للإهتمام ، لأن رغبة سرد القصص التي تبدو غير متوافقة مع حقائق الحياة الفعلية, هي أمر متوقع.

           ولكن بغض النظر عن مدى صعوبة المحاولة ، وبغض النظر عن مدى الإلحاح الذي تقوم به، لا توجد طريقة لمعرفة المستقبل حقًا، فالعالَم لا يُنَظم نفسه لإعطائك تلميحات, وإذا كنت عُرْضَة للإفراط في التفكير التنبّؤي، ولعب كل سيناريو ممكن في رأسك مقدمًا ، حينئذ يمكنك أن ترى إنذار في كل شيء,  فمظهر  شريكك يعني لديكَ أن القتال معه قادم في الأفق ، ومجاملة رئيسك تعني أنك في طريقك للترقية ، وكل الأشياء الصغيرة التي نسيتها على مر السنين ستترجمها  أنك ستصاب بالتأكيد بالخرف عندما تصبح عجوزاً.

      كتب إ. إم فورستر E.M. Forster” “ذات مرة:  “الحياة الفعلية مليئة بالأدلة الكاذبة ولافتات .. لا تؤدي إلى أي مكان”، تتضح هذه في حفظ المذكرات: “تخيل سيرة ذاتية لا تتضمن فقط سردًا ولكن أيضًا كل الأحداث التي فشلت في التنبؤ”، كتبت مانغوسو في كتاب “Ongoingness”، وهو كتاب عن مذكراتها في 25 عامًا, “معظم ما تتضمنه اليوميات لا يُنبئ بأي شيء”.

      إذن ما الذي يجب فعله، مع كل الأشياء التي لا تناسبك؟ هناك دليل على أن العثور على بعض “التماسك” في هويتك السردية أفضل، من الناحية النفسية ، من عدم العثور عليها, وربما يكون من الأسهل إسقاط تلك الأشياء بمجرد سحب الأنماط من الفوضى ، على الرغم من أن الأمر قد يتطلب بعض التعديل.

لكن باسوباثي “Pasupathi” ترفض ذلك: “أريد أن يقوم الناس بعمل جيد, بعَدَم محاولة تَرْك الأشياء لأنهم لا يستطيعون جعلها مناسبة”. “نحن لا نحاول جعل أجزاء من حياتك تختفي”,”نحاول التنبؤ بالمستقبل طوال الوقت”, وهي تتكهن بأن السبب وراء التنبؤ بالخيال, في المقام الأول, هو هذا الميل البشري, عدم اليقين في المستقبل يجعل الناس غير مرتاحين ، والقصص هي وسيلة للتعامل مع ذلك.

      يقول أدلر: “المستقبل ليس نسخة طبق الأصل عن الماضي”. “لذلك نحن بحاجة إلى أن نكون قادرين على أخذ أجزاء من الأشياء التي حدثت لنا وإعادة تكوينها في مستقبل ممكن”, (الحياة لها كليشيهات), وقد كانت هناك بعض أبحاث الدماغ التي تدعم هذا الرابط بين الماضي والمستقبل، والتي تبين أنه يتم تنشيط نفس مناطق الدماغ عندما يُطلب من الناس أن يتذكروا شيئًا، وأيضا عندما يُطلب منهم تخيل حدث لم يحدث بعد.

        وبالمثل، يبدو أن الطريقة التي يتخيل بها شخص ما مستقبله تؤثر على الطريقة التي يرى بها ماضيه، في الوقت الذي يُنْبِيء فيه ماضيه بما يتوقعه لمستقبله, يقول أدلر: “حين تكتب سيرتك الذاتية, ربما في نفس الوقت تُغيّر ماضيك,  أنت تعيد كتابة التاريخ, إنها قصة حياة مكتوبة بالطباشير، وليس بالحبر، ويمكن تغييرها, “أنت الراوي والشخصية الرئيسية في قصتك”, “يمكن أن يكون ذلك في بعض الأحيان الإلهام، أنتَ لا تعيش هذه القصة فحسب، بل أنتَ مسؤول بالفعل عنها”, وبطريقة منهجية، يومًا بعد يوم, كما هو الحال مع كل القصص، هناك قوة في إعادة الكتابة, حيث الماضي دائما في المُتَنَاوَل, و.. جاهز للإمساك به.”

* مستشار نفسي وكاتبة/ مصر.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *