متلازمة الدجَّال ونفْسَك المُخْتفِية!!..

متلازمة الدجَّال ونفْسَك المُخْتفِية!!..

د. فايزة حلمي*

 ( The Imposter Syndrome and Your Hidden Self)

تقول: ” Dale M. Kushner

           تشير متلازمة الدجَّال إلى أولئك الذين لا يستطيعون إستيعاب وقبول نجاحهم, فبدلاً من إمتلاك قدرتهم على تحقيق ذلك، فإنهم يعتقدون أن نجاحهم يرجع إلى الحظ أو بعض العوامل الخارجية الأخرى، ويخشون أن يتم كشفهم كمحتالين, الرجال والنساء يعانون على قَدَم المساواة مِن هذه الحالة المُنهِكة, ونَجِد المجموعات التي تُرَبَّى في أسَر تتوقع إنجازًا عاليًا والكمال, هُم أكثر عُرْضة للخطر.

ولكن دعونا ننظر إلى ما وراء الأصول النفسية وداخل التجربة نفسها.

 –  أسرار:

“الأسرار التي نختار أن نخونها, تفقِد قوتها علينا”, لويز غلوك Louise Glück

            إن الوقوع في متلازمة الدجَّال, هو إيواء الذات السرِّية التي نخشى أنها غير كافية, نحن مرعوبون من زِيِفنَا, نحن مرعوبون من أن يُكْتَشَف هذا الجزء الإحتيالي المُخْتفِي تحت مَظهَر خارجي,  حوارنا الداخلي يتواصل هكذا:

              أنا أعلم فقط أنه داخل قشرة الشخص الذي يُدْعَى “أنا” ، والذي يعتقد الجميع أنه مُشرِق وقادر على نحو موثوق، هناك أنا الحقيقي المُتأرحج البائس, البعض الآخر قد يدعوني، ذكيَّاً وحتى عبقريَّاً، لكنني أعرف الحقيقة؛ أعلم أن ما يَروه هو تلفيق وذات مُزيّفة”.

           إن عِبء العيش مع إنقسام الشعور بالذات, والخوف مِن أن نُكتَشَف, يتطلب اليقظة المستمرة ويأخذ طاقة عاطفية, وأي شَخْص يحتفظ بأسرار سامة, يعرف التكلفة العالية التي يتحملها بإخفاء ما يخْجِله, وهذا يَسْتَهلك طاقة ويتطلب تأجيج مستمر للنجاح, طاقة تتغذى مِن خلال الضغط الداخلي لإثبات جدارتنا  بجانب, القلق والفزَع الإستباقي ونحن واقعون في حلقة مُفرغة, تتطلب أن ننجح في تحقيق معايير أعلى من أي وقت مضى.

– الثقافة:

          هذا الجهد لإحتواء وإخفاء الذات المختفية, يتآكل من الداخل ؛ إنه يشبه العيش بمخبأ إحتيالي داخل ذاتنا,  ولأننا فشلنا حتما في تلبية معايير الكمال الخاصة بنا, لذا قد نعاني من الإكتئاب والقلق والأمراض الشائعة الأخرى في عصرنا.

           وبالتأكيد هذه هي الأوقات ، التي أنجبت فيها ثقافتنا المعاصرة, “متلازمة الدجال” ثقافة تضع قيمة أعلى للسُلْطة والنفوذ والتراكم المالي, أكثر من التنوير أو الخُلُق أو الواجب المَدني, وبعد كل شيء ، فإن آلامنا النفسية هي في جزء صغير منها, بسبب الظروف الفسيولوجية أو الموروثة, وفي جزء كبير منها مشروطة ثقافياً, وكما هو الحال في كل الأشياء المتناقضة، يخلق الأفراد الثقافة, ثم  يتشَكَّلون بالثقافة التي يخلقونها.

  – القوة الداخليَّة:

            في أعماق أنفسنا ، نعلم أننا أكثر من نجاحاتنا أو إخفاقاتنا ، ومع ذلك لأننا نعيش في مجتمع يدعم ويشجع المنافسة والسعي والقوة من خلال الثروة ، يمكن لمتلازمة الدجَّال أن تتجذر بسهولة,  لكن يجب علينا أن نفهم ونثق في أن لدينا شخصيات داخلية أخرى، نماذج أوَّلية, تلك التي تأتي إلينا في الأحلام والخيال, الذين يوازنون بين شخصية المتفوق الكبير والذين ليسوا تحت رحمتها, وإستكشاف هذا لا يوسع رؤيتنا عَمَن نحن فحَسْب، بل يبدأ مغامرة رائعة لمصادقة ذاتنا المجهولة أو المفقودة.

– رواية الحِكْمة:

         في القصص الخيالية، تبدأ القصة غالبًا عندما يتم تجاهل الذات الحقيقية للبطل أو البطلة أو إساءة معاملتها أو تجاهلها, وبينما تتكشف القصة، يتم تقديم الصراع وتتبع طقوس العبور, الرحلة التي يقوم بها البطل/ البطلة هي رحلة روح للتطور النفسي, في حكاية سندريلا المألوفة, سُخِّرَت الفتاة اليتيمة منبوذة مِن قِبَل الثلاثي الشرير من زوجة الأب والأخوات, فإذا كانت ترغب في التطور والدخول في الحياة، فعليها الخروج إلى العالم الخطير وإثبات نفسها, في هذه الحكاية وفي قصص أخرى، هوية الشخص “الخارجية”, لا تتطابق مع الإشراق الخَفِي والخير  للذات الداخلية .

      والشخص الذي يمتلك متلازمة الدجَّال, يقوم بتقييمها مِن خِلال التحقق من المصادقة الخارجية عليها والتي يبدو أنها لاتَرْضِي الجَوْهر الداخلي لعدم اليقين ومع ذلك، فإن حِكْمَة القصص الخيالية تقترح أن الإعتراف والتحقق من الذات الأصيلة والجديرة لا يمكن أن يأتي من “الخارج” وتشير الحكايات إلى أننا يجب أن نَجْري تجارب وتحديات تؤكِّد قوَّتنا الإبداعية وترفض التقييم الخاطئ للآخرين, عندها فقط  تدرك الذات قيمتها ولا تطالب بقبول وتزكية مِن الآخرين،  يمكننا حقًا أن نتقبل أجزاء الكمال والظل معاً.

– إذا كان ما قرأته يمنحك الشجاعة في الإستكشاف، فقد تجلس الآن وتضع قائمة بالصفات التي تقدّرها لدى الناس, ما هي الصفات التي تريد من الآخرين سَرْدها إذا طُلبت منهم أن يَصِفوك؟ كيف تقارن القوائم؟ ما هي الصفات التي يَسْهل عليك إمتلاكها؟ وما هي التي تشْعر أنها بعيدة المَنال؟ تبَصُّر؟ وضُوح؟ أصالة؟ تخيل أنك انتهيت للتو من مشروع شاق, فبدلاً من إخبار نفسك ، “لقد كان هذا نجاحًا”، تقول ، “لقد فعلت ذلك بنزاهة”,

 كيف سيكون شعورك؟

تخيل نفسك كبطل أو بطلة القصص الخيالية الخاصة بك, ما هي التحديات التي تواجهك؟ أكتب قائمة بهم,  ما هي العقبات التي تَحُوُل دوُن تحقيق أهدافك؟ بِما فيها العقبات النفسية, ما هي الكائنات والأرواح ، وما إلى ذلك التي قد تَظهر لمساعدتك؟ ما هي الصورة التي لديك عن نفسك بمجرد تحويلك لأحد الأبطال؟ (فكر في سندريلا من فتاة الرماد إلى الأميرة) حسناً… ماذا تريد أن تصبح؟

* مستشار نفسي وكاتبة/ مصر.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *