ملاهي وتلاهي!!..

ملاهي وتلاهي!!..

د. نيفين عبد الجواد*

لعبٌ ولهوٌ .. أحقًا هى الحياة؟!

فماذا عن العلم والتكنولوجيا وغزو الفضاء ؟!!

وماذا عن الحضارات التى شيدت وأنتجت؟!

وماذا عن الإنسان الذى عمَّر الأرض وتسيَّد على بقية المخلوقات؟!

هل فى خضم كل ذلك الزخم من الاختراعات والابتكارات العلمية والتقنية والتى يمضى المئات والآلاف من العلماء والمخترعين أعمارهم فيها تكون الحياة فى النهاية ليست سوى ملهاة كبيرة للإنسان وساحةتسع جميع الألعاب بمختلف أنواعها وألوانها وأشكالها؟!!

وهل الجميع يلعبون ويلهوُن بنفس القدر؟!

وهل أصلاً اللعب واللهو مسموحٌ به ومتاحٌ للجميع؟!

إن الذين يجدون لقمة عيشهم بالكاد ورزخوا تحت وطأة محدودية الامكانيات والقدرات وأحبطتهم الفرص معدومة الوجود، وأولئك الذين تمكن من أجسادهم المرض فنهش لحومها وفتت عظامها وأرقدهم بلا قيامٍ مأمول، هل لهم قسطٌ ولو بسيط من لعب الدنيا ولهوها؟!

إن أولئك الذين نجدهم متكاسلين طوال اليوم وطيلة الليل متكئين على كراسى القهاوى ينفثون فى الهواء سموم دخانهم هم خير مثال لمن ألهاه هواه عن حتمية مسعاه فارتكن لما ظن أن فيه هناه بينما هو فى الحقيقة منتهاه.

لو كانت العبثية هى سمة هذا الكون بداية واستمرارًا لكانت هى سمة نهايته المنتظرة، ولو اتسم الإنسانُ نفسُه فى خَلـقه وتكوينه وقدراته وإنجازاته بالعبثية لكانت حياته أولى بألاَّ يكون لها قانون يحكمها وينظمها ويضبطها. فكيف لمن هو مخلوقٌ بنظامٍ محكم، وكيف لمن تعلَّم القوانين وصاغ النظريات وطبَّق المناهج أن يقبل أن يعيش حياته بلا نظام وألاَّ يخضع فيها لقانون أو ألاَّ يُسيرها وفق منهج مقبول؟!

إن قبِل الإنسان أن تكون سمة حياته هى اللعب واللهو فستكون حسرته شديدة لأنه حتمًا سيحصد ثمرة ذلك فى حياته، وسيكون ندمه مؤلمًا لو تم حسابه بعد موته وقيامه من الأموات للحساب.

إن اللعب ونحن أطفالٌ لهو أمرٌ محبذٌ لصحة نفسية سوية فيما بعد، أما أن نظن أن حياتنا ليست سوى لُعبة تضيع معها أعمارنا، أو أنها ملهاة عبثية لا قيمة لها أو نفع، أو أنه بإمكاننا أن نلهو كيفما شئنا ووقتما أردنا بلا ضابط فنستحل ما هو مُحرَّم، ونستبيح ما هو حق للآخرين ليكون ملكًا لنا ظلمًا وزورًا، ونفسد فى الأرض بعد إصلاحها بلا ضميرٍ أو رقيب، ونزهِق أرواح الأبرياء بلا رحمة أو شفقة، ونتلاعب بمصائر الضعفاء بلا رادع .. فهذا ظنٌ باطلٌ.

وإذا نسينا وسط غمام ملاهى الحياة وضباب تلاهيها أن هناك أرضًا طيبة وقف عليها يومًا ما أناسٌ طيبون تعالت صيحاتهم بإخلاصٍ أدفأ برودة شتاء يناير ليهدوا لنا حياة طيبة طالما حلموا بها لأنفسهم .. فنحن إذن لا نستحق أية حرية، ولا أدنى كرامة، ولا ذرة عدالة.

* كاتبة وباحثة/ مصر.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *