“نزاز” حكاية البحث عن القمح بين الحرائق واللهب!!..

“نزاز” حكاية البحث عن القمح بين الحرائق واللهب!!..

ندى م عادلة*

رواية مليئة بالحب والشرر, يتوقف نبض الروائي في بورصة الغربة, جنون الزمن, خسارة العمر التي يرددها كل مهاجر سوري على نهر الدانوب, خسارة الوداع قبل خسارة الزمن

الرواية “نزاز” لكاتبها السوري طلال مرتضى صدرت عن دار بعل السورية والتي استوقفني عنوانها الأول والعالي (نزاز) وذلك لمدلولاته الباطنية الكثيرة مع ما شدني من تفاصيل في عتبة الإهداء والخطاب على شهادة الحق بمن مات وهاجر واستشهد ومن بقي في بحيرة الخراب والجنون:
“إلى الذين عبروا شريط أخبار حرب البلاد ولم يتسن لهم وداع من كانوا بانتظارهم أستعيدهم ببعض مني”.

عالم ثقافي قيمي من السرد الإبداعي الجديد والقص الحديث بأسلوب فني شعري واتجاه تعبيري مميز عن سواه…

يصنع من الواقع ال”نزاز” بكل همجية الوقت وألام البشرية فناً ماتعاً, يرسخ للرواية الحديثة بتأريخ فلسفي, بمقاطع تحمل الالتزام بهموم المدني والقروي والصبية والشاب وتعبير واقعي ذو أساس حكائي لاسيما في رسم الشخصيات التي توهم أفكارها وسلوكها بالانتماء إلى الواقع الاجتماعي والسياسي..
وقد يبتدع حوادث وقد يرسم حوادث حقيقية مستمدة من الواقع المأساوي التي تنتمي إليه هذه الأمة بمزج فني بين الشخصيات والحوادث في حكايات قادرة على أسر المتلقي ومصادرة وقته البائس من تداعيات الإرث التاريخي وتداعيات الحرب وجنون الوعي أمام هذه المشاهد الصورية ثم التطلع إلى الأمام..

يقول في تباشير مهدي القصيدة: الكاتب الذي صار خارج نص الحكاية هو أنا, وقعت أسيرا للتو في شرك الحبكة, ظل سهل الصقيع الممتد حتى ضفاف الدانوب.. هززت شجرة الذكريات كي أتعطر بما تيسر لي مما بقي عالقا على مشجب البلاد التي لفظتني مثل ولد عاق.. عدتُ إلى الوراء بفاعلية الخطف خلفا “فلاش باك” كان مخاض المنولوج برأسي عسيرا في كل المطالع”.
تنهدت طويلا وتنفست الصعداء بالنهايات المفتوحة على حواسه, عرفت أنه عاد للقلم والورق ليسجل ويدون مآسي دياره ووطنه وأهله وخلانه..

لم يخش حواجز الكتابة ولا إشارات المرور في وضح النهار ولا الضمير المستتر, يستعمل الضم في كل همسة على حساب سكون الحالة والغربة وصقيع الدانوب, هروب الحكاية وحضورها على حواسه وتجلياتها له من أمتع اللحظات..

..ولن يرضى بغير هذا الدور, هو صوت الحقيقة ويحق للروائي القول كيف يشاء, خاصة عندما يسترجع ذكريات الوطن وتفاصيل الحياة بمناخ الغربة..

عالم الروائي طلال يحقق جميع الخصائص الفكرية والأسلوبية, يقدم توصيفا نفسيا متوترا لبعض الشخصيات وهي حقيقة مشاهدة لكل ناظر وعارف, مصوغاً بضمير المتكلم, و يسجل اللحظة الزمنية بتميز العارف المثقف الحاضر الموجود في كل شهور الحرب, يلم بأدواتها ومنفذيها وتداعياتها على النفس والقلم..

الحديث عن الرواية هو الحديث عن عمل إبداعي وعن الإنسان وتحولاته والإنسانية واختلاف مضمونها, والبشرية وتعدد مشاربها, وكيف خرج الوطن من جلده ونسيجه وتحول إلى أرض بوار وكيف خرج وهاجر أبناؤه وهم يحملونه شغفا وحبا في أعناقهم وأعماقهم..

 أعود لأقول إن اللغة أداة توصيل وتواصل, وفي البدء كان الكون والإنسان والحروف والموسيقى, هذه المكونات التي أحببتها ولامستني بكل تواضع, وشعور بالمسؤولية في قراءتي, لمستها بأعماقي وقطفتها عبيرا مضمخاً بألم التعايش مع الحرب وتداعياتها على نفوسنا وعقولنا..

قطفت الجمال وبلاغة التعبير والمفردات المبتكرة بكل ومضة وبكل صفحة, جنيت المعادلات الصعبة والتي يصعب معها الحلول وليس مطلوبا من الروائي والأديب, تقديم الحلول للواقع بل عليه الكتابة بمسؤولية وتعرية الحقيقة المستترة على البعض من خلال رؤياه وأسلوبه وفلسفته وبلاغته.. 

أما الشخصيات فهي صورة من الواقع الشعبي الذي عشناه جميعا الأهداف والمشارب  في تركيبته الاجتماعية والمسلكية كالحاج علاوي والمختار والمرابي وأدوارهم في سنين القحط والجدب في “خان السنابل” وما ضمت من مآسي ونساء يعشن القهر والحرمان..

في “نزاز” قرأت المعاناة والعزلة, قرأت اليتم, (الليل يشبهني باليتم), (أستجدي دروب الحظ عبر خيوط متشابكة) معاناة.. عزلة..

لديك ما يكفي من الجرأة لتلتهب أوارها, “تدس أصابعك مثل محراك للشهوة, تطارحها الغرام بين السطور”.., ( أسلوب بلاغي وسرد جميل مقنع)..

الرواية قص أدبي, تأريخ لمرحلة من تاريخ سورية متعددة في الأمكنة, ترتكز على الصراع بين الخير والشر بالداخل والخارج, وفي ديار الغربة وهموم المواطن ومعاناته وغياب الإنسان العربي عن إنسانيه وعن العالم وتضارب الرأي والعواطف والأحاسيس حول الوجود والكيان البشري بصورة حية مبتكرة, والكاتب ذاته بطل السرد وبطل الرواية في أكثر الأحداث يقول في النهاية:

“أنا من ارتكب معصية الرواية وجعل من نصها مفتوحاً وعرضة لعابري السطور”.. .

الأديب والروائي طلال مرتضى بطل في مواقفه, فارس في شجاعته وتحليلاته الفلسفية العميقة للأحداث, شاعر ورسام أديب شامل في الحرب والسلم, سوري الهوى نسيج من الحزن والألم والحنين لروابي الشام, فهو يحلم ويعشق كطفل وسندباد من أنين الواقع وألام الغربة يتطلع للمستقبل والحياة..

المواطن النبيل هو الخاسر والشعب الأعزل هو الخاسر في كل ميدان..

وتبقى الحكايات عكس ما يشتهي ويتمنى الكاتب في كل عمل, وهذا الشعور هو المحرك والدافع الجنوني للإبداع.

*كاتبة سورية.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *