نشاز!!..

نشاز!!..

د. نيفين عبد الجواد*

عندما يعزف جميع العازفين مقطوعة موسيقية واحدة بِنوتة مكتوبة بدقة بالغة ينفذها جميعهم بحرفية متناهية، ثم تظهر فجأة نغمة نشاز من أحدهم.. يلتفت الجميع باستياءٍ ضجرًا مما أفسد عليهم صفو اندماجهم وحنقًا على من كان سببًا في انقطاع تركيزهم.

وهذا هو حال كل مجموعة من الناس يجتمعون كلهم بلا استثناء على فكرةٍ واحدةٍ أو اعتقادٍ واحدٍ ويظهر فجأة بينهم من يخالفهم في الفكر أو يختلف معهم في الاعتقاد. فيحاولون إيقاف أية نغمة ناشزة عن المعزوفة الواحدة، ولا يهدأ بالهم إلا بالتخلص مما يسبب لهم أي إزعاج.. إزعاج عقلي أو ارتباك فكرى أو حيرة تستدعى إعادة النظر أو البدء مرة أخرى ربما للبحث عن شيء جديد.

فالناس غالبيتهم يميلون لما هو مألوف ومعتاد، ولا يسعى الكثيرون منهم لعمل شيء مختلف أو مجرد التمحيص في كل ما اعتادوا على فعله منذ صغرهم، وما تم تلقينهم إياه على أنه من الثوابت بالرغم من كونه من الأمور القابلة للبحث والتأمل وإعادة النظر للإحلال والتبديل أو مجرد التغيير؛ لذلك كل نغمة مختلفة عن نغمات المقطوعة المحفوظة عن ظهر قلب ليست بالنسبة لهم سوى “نشاز” اخترق آذانهم وأفسد مسامعهم وقطع حبل أفكارهم التي تمت برمجتها على عزف المقطوعة كاملة في كل مرة بدقة متناهية وبإخلاصٍ شديد.

إن كل ما هو مختلف ليس بالضرورة أن يتم رفضه باعتباره نشازًا فذاك المختلف ربما ليس نشازًا، حتى ذلك النشاز من الممكن أن يكون جيدًا وليس قبيحًا لو تأملناه بعمق ولو تركنا لأنفسنا الفرصة لعزف المقطوعة الموسيقية بطريقة مختلفة.. ولكن هذا المنطق لا يمكن أن يقبله من وطَّن نفسه على تلقى التعليمات وتنفيذ الأوامر، ومن قبِل لنفسه أن يكون واحدًا من أوركسترا محترفة كل حركاتها وسكناتها بحساب ولا يمكن لأحدهم أن يعزف ما يشاء فالأمر كله للمايسترو الذي يقود المجموعة بأكملها والذي يتحمل خطأ أي واحدٍ من فريقه الموسيقى الذي تدرَّب معه طويلاً ليستحق أن يكون واحدًا من أتباعه الذين هم بالأحرى معاونوه.

ولأنه سيظل هناك دائمًا من يريد أن يعزف نغمة مختلفة وفريدة ومتميزة، ومن يسعى أن تكون له مقطوعته الموسيقية الخاصة به التي لا يقلد فيها أحدًا–ولكنها ربما تكون نشازًا وسط مجموعة العازفين الذين لا يتقنون سوى تلك المقطوعات الموسيقية التي احترفوا أداءها, فليس عليه عندئذٍ سوى أن يعزفها منفردًا بعيدًا عنهم حتى لا يسمعها أحدهم فتثير استياءه وسخطه، وحتى يستطيع هو أن يستمتع بها فربما ينصت لها عن بُعد ذات يومٍ من تعجبه ويستحسنها فتكون من نغماته المفضلة التي لا تطيب حياته إلا بالاستماع إليها بعيدًا عن المقطوعات الموسيقية المحفوظة والمعادة بلا كللٍ أو ملل.

* كاتبة مصرية.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *