هل الفن للفن؟!..

هل الفن للفن؟!..

د. يسري عبد الغني عبدالله*

البر ناسية مذهب أدبي ترجع نسبته إلى جبل برناس في بلاد  اليونان وهو موطن الإله أبوللو وموطن آلهة الفنون في الأساطير اليونانية القديمة وبالتالي هو المقام الرمزي للشعراء والمبدعين .

       وهو ما يعبر عنه بمذهب الفن للفن في الشعر الغنائي أو في الأجناس الأدبية الأخرى .

       ويقوم هذا المذهب على أن للعمل الأدبي خصائص جوهرية تتوافر له , بها صفة الجمال الذي يصدر عن رضاء الذوق ، ويولد المتعة الفنية دون نظر إلى ما يؤدي إليه من منفعة .

       ويسمي الفيلسوف الألماني / كانط ذلك المذهب أو ما يدعو إليه : الغائية بدون غاية .

       وتظهر آراء هذه المدرسة أو هذا المذهب واضحة في آراء (تيوفيل جوتييه) الذي عاش بين عامي 1811 م و 1872 م ، إذ يقول في إحدى الصحف المعاصرة له : نخن نعتقد في استقلال الفن ، فالفن ليس لدينا وسيلة ، ولكنه  الغاية وكل فنان يهدف إلى ما سوى الجمال فليس بفنان فيما نرى ، ولم تستطع قد فهم التفرقة بين الفكرة والشكل ، فكل شكل جميل هو فكرة جميلة .

       وردد هذه الآراء (لوكنت دي ليل) ، الذي يعد رئيساً لمدرسة الفن للفن أو البر ناسية .

       وعلى هذا فالشاعر أو الأديب عندهم لا ينظر إلى مطالب الحياة المادية المعاصرة ، بل جل همه استكمال النواحي الفنية للعمل الشعري أو الأدبي مع النظر إلى مطالب الفن ، والخصائص الجمالية دون الاهتمام بأغراض الناس أو منافعهم .

       ويقوم هذا المذهب كذلك على الأخذ بمطالب العلم للعناية بالحقيقة ، فالفن يشارك العلم في هذه الخاصية .

       ويقول (لوكنت دي ليل) : إن الفن والعلم الذين طالما فرقت بينهما جهود الفكر المتباعدة ، يجب الآن أن يأتلفا ائتلافا تاماً أو يتوحد كلاهما بالأخر …

       ويواصل كلامه قائلاً : والآن يتوجه العلم والفن نحو أصولهما المشتركة ، وعما قريب ستعم هذه الحركة ..

       وبهذه المبادئ ربط مذهب الفن للفن العلم بالفن أو بالأدب ، وعاد الشعراء يستمدون المثل الإنسانية من الصور التاريخية في العصور الماضية ، ولم يهتموا بالطبقة البرجوازية كما فعلت المدرسة الرومانسية ، بل عادوا ينشدون المثل من الجمهور الأرستقراطي كما كان يفعل الكلاسيكيون من قبل .

       وبهذا عادوا مرة أخرى إلى طريقة الكلاسيكيين ، وابتعدوا عن المذهب الرومانسي الذي أيدوه في أول الأمر .

       وهذا المذهب ابتعد عن هدف الرومانسية التي تدعو إلى صالح ونفع الطبقة الوسطى ، والجري وراء أهدافها وآمالها وأحلامها ، ولهذا دعا أصحاب مذهب البر ناسية أو الفن للفن إلى النظر إلى المثل العليا ، دون الاهتمام بالمصالح والمنافع المباشرة .

       وصور الشعر في المذهب البرناسي صوراً موضوعية ، وليست صوراً ذاتية شخصية كما هو الحال عند الرومانسيين .

       فقالوا : ومع أن للشاعر هدفاً خاصاً ، فإنه لا ينبغي له أن يعبر عنه بطريق مباشر ، كما يفعل ذلك شعراء الرومانسية .

       وينبغي ألا يظن القارئ أن هذا المذهب يهمل رسالة الشعر أو الأدب الإنسانية ، بل على العكس من ذلك ، فإنه يدعو إليها ، ويتحدث عن الأهداف الاجتماعية ، لكن في صورة علمية غير منحازة ، أو متأثر بنوازع خاصة على نحو ما يفعل الرومانسيون .

       وكانت عنايتهم بإكمال الجانب الفني مدعاة إلى رفع قيمة الصياغة الفنية للعمل الأدبي .

         ومع أن هذا المذهب كان خلفاً للرومانسية التي اعتمدت على الخيال الجامح ، فإنه لم يعمر طويلاً ، وقام على إثره المذهب الرمزي أو الإيحائي فيما بعد .

       وفي الأدب العربي الحديث عرف بعض النقاد والمبدعين هذا المذهب ، وتكلموا ودافعوا عنه ، مثل أستاذنا الدكتور / رشاد رشدي (رحمه الله) و غيره ، وكان الكلام عن هذا المذهب في مقابل ما أثير عن الأدب الملتزم , سواء كان هذا الالتزام وفقاً لآراء جان بول سارتر والوجودية ، أم الالتزام من وجهة النظر الماركسية .

 وقد شغلت هذه القضية النقاد والمفكرين العرب في الستينيات من القرن العشرين مثل : محمد مندور ، وأنور المعداوي ، وسهيل إدريس ، ومحمود أمين العالم ، وعبد العظيم أنيس ، ونزار قباني .. وغيرهم من النقاد العرب في المشرق والمغرب .

       إننا نرى ـ وهذا مجرد رأي خاص ـ أن الفن أو الإبداع له جناحان يخلق بهما ألا وهما الشكل والموضوع ، وبمعنى آخر إذا نجح المبدع في تحقيق المعادل الموضوعي الذي هو الشكل والموضوع أي المضمون ، نجح في أن يقدم فنًا أو إبداعًا له قيمة يصل به إلى الناس كافة ، مع الوضع في الاعتبار أن زمن انعزال المبدع عن قضايا مجتمعه الاجتماعية والثقافية والاقتصادية قد ولى دون رجعة ، فالإبداع الذي لا يخاطب العقل مع المشاعر والأحاسيس ويسمو بالغرائز الإنسانية لا صفة به .

اللوحة للفنانة الهنغارية: سوزانا دومونكوس.

* باحث ومفكر في شأن التراث/ مصر.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *