هل نحن جزء من شخصياتنا السردية؟!!..

هل نحن جزء من شخصياتنا السردية؟!!..

د. فايزة حلمي*

قصص الحياة في عِلم النفس السَردي:

كيف يمكنك ترتيب نقاط حياتك الرئيسية, في قصة يمكن أن تُشكل شخصيتك, وهذا جزء أساسي من كَوْنك إنسانًا.

       على الرغم من أن حقائق حياة شخص ما، من البداية إلى النهاية، لا تشبه إلى حد كبير سردًا للمراقب الخارجي له، ولا تُشْبه الطريقة التي يختار الناس أن يرووا بها قصصًا عن حياتهم، للآخرين ولأنفسهم، إلّا أنه دائمًا ما يكون هناك قَوْس سَرْدي, في سرد ​​قصة, كيف أصبحت مَن أنتَ عليه الآن, ومَن أنت في طريقك لتُصْبِح، القصة نفسها تصبح جزءًا مِن مَن أنتَ.

          يكتب دان ماك آدامز” Dan McAdamsأستاذ علم النفس بجامعة نورثويسترن في كتابه” الشخصية وعِلم النفس الإجتماعي: “قصص الحياة لا تعكس الشخصية أو بشكل أكثر دقة، إنها أجزاء مُهِمّة مِن الشخصية، إلى جانب أجزاء أخرى، مثل الصفات والأهداف والقيم.

          في مَجال عِلم النفس السردي، قصة حياة الشخص ليست سيرة لحقائق وأحداث حياة ، بل هي الطريقة التي يدمج بها الشخص تلك الوقائع والأحداث.. داخليًا,  يلتقطها وينسجها معًا لتكوين مَعنَى, لتصبح هذه الرواية شكلاً من أشكال الهويّة، حيث يمكن للأشياء التي يختار شخص ما تضمينها في القصة، والطريقة التي يرويها بها، أن تعكس شخصيته وتشكّلها, ولا تذكر قصة الحياة ما حدث فحسب، بل توضح سبب أهميته، وماذا يعني بالنسبة للشخص ، ومَن سيصبح ، وما سيحدث بعد ذلك.

عندما يخبر الناس, الآخرين عن أنفسهم ، يتعين عليهم القيام بذلك بطريقة سردية, هكذا يتواصل البشر,  ولكن عندما يفكر الناس في حياتهم لأنفسهم ، هل يكون دائمًا بطريقة سردية، من خلال حبْكة تؤدي من نقطة إلى أخرى؟ هناك قول مأثور قديم بأن كل شخص لديه كتاب بداخله, قال كريستوفر هيتشنز( (Christopher Hitchens ذات مرة:” إن الداخل بالضبط حيثما أعتقد أنه ينبغي أن يَكون، في معظم الحالات” هل هناك أي شخص له قصة حياة, ليست قصة على الإطلاق؟!! إنه نوع آخر مِن التمثيل المفكّك والمعبّر عن وجوده, لا توجد فقط إختلافات فردية في طريقة تفكير الناس في قصصهم فحسب، بل هناك تباين كبير في درجة إنخراطهم في سرد ​​القصص في المقام الأول.

     تقول كيت ماكلين Kate McLean، أستاذة مشاركة في علم النفس بجامعة ويسترن واشنطن: “بعض الناس يكتبون في مذكراتهم ويتّسمون بالتعَمّق الشديد والبعض الآخر ليس كذلك على الإطلاق”, الكتابة، على الرغم من أنها وسيلة لتوثيق قصة الحياة ، ليست مخصصة دائمًا لسرد جارح للمشاعر.

        يقول باسوباثي  Pasupathi: “أعتقد أن البالغين الأصحاء يتمتعون بقدرة على إنتاج قصة حياة, من أجل إقامة علاقات بين البشر، علينا جميعًا أن نُخبِر أجزاء صغيرة من قصتنا, لذا من الصعب أن تكون إنسانًا وأن تكون لديك علاقات, دون وجود نسخة من قصة حياة تطفو حولها” ولكن الحياة نادراً ما تتبع التقدم المنطقي الموجود بمعظم القصص الجيدة, حيث تتجمع القرائن وتأتي ذروتها في الفصل الأخير, يبدو السرد هكذا طريقة تأطير غير متناسبة مع فوضى الحياة، حتى تتذكر من أين جاءت القصص في المقام الأول, في النهاية، المادة الوحيدة التي نستطيع أن نصنع منها قصصًا هي خيالنا والحياة نفسها.

    رواية القصص إذن, خيالية أو غير خيالية، واقعية أو منمقة, هي وسيلة لفهم العالم من حولنا, يقول أدلر: “الحياة معقدة بشكل لا يُصَدّق، فهناك الكثير من الأشياء التي تحدث في بيئتنا وفي حياتنا في جميع الأوقات ومن أجل التمسك بتجربتنا نحتاج إلى جعل معنى من ذلك” حيث يأخذ الناس القصص التي تحيط بهم, ثم يتعرفون عليها ويقترضون منها ما يصوغون به مفاهيمهم الذاتية.

   لا يكتب الناس قصص حياتهم منذ ولادتهم, تستغرق القدرة على إنشاء قصة حياة, بعض الوقت, لأن التنشئة الإجتماعية تعطي الأولوية لأشياء أخرى, مثل المشي والتحدث ودوام الكائن, وفيما بَعْد يتعلم الأطفال ما يعتبره الآخرون رواية قصص جيدة, بإعتباره القدرة على الدوران للغزل الجيد الذي له قيمة إجتماعية.

        وفي أواخر سن المراهقة والسنوات المبكرة من سن البلوغ ، يبدأ بناء القصة يرتفع قدرة, لأنه بحلول ذلك الوقت يُطوّر الناس بعض الأدوات المعرفية التي يحتاجونها لإنشاء قصة حياة متماسكة, ويتضمن ذلك, التماسك السببي, وهو القدرة على وصف كيف أدى حدث ما إلى حدث آخر والتماسك الموضوعي وهو القدرة على تحديد القيم والأشكال الشاملة التي تتكرر طوال القصة, في إحدى الدراسات التي أجراها ماكلين، كان كبار السن أكثر تماسكًا موضوعيًا ورَوُوا المزيد مِن القصص حول الاستقرار، بينما يميل الشباب إلى سرد مزيد من القصص عن التغيير.

       يعتبر McAdams هذا التطور بمثابة طبقات لثلاثة جوانب للذات, إلى حد كبير منذ الولادة، الناس “ممثلون”. لديهم سِمات شخصية، يتفاعلون مع العالَم ولهم أدوار يلعبونها” ابنة، أخت ….”، عندما يتقدمون في السن بما يكفي لتحقيق الأهداف يصبحون “عملاء” ولا يزالون يلعبون أدوارهم ويتفاعلون مع العالم، لكنهم يتخذون القرارات على أمل تحقيق النتائج المرجوة, والطبقة الأخيرة هي “المؤلف” عندما يبدأ الناس في تجميع الأفكار حول المستقبل بتجارب مِن الماضي والحاضر, لتشكيل الذات السرْدِيّة.

       هناك شىء ما حول خاصية السرد الذاتي,  يبدو أن كتابة الأفكار والمشاعر عن الأحداث السلبية, تساعد على رفاهية الأفراد وقد أوجَدَت دراسة أن كتابة الأحداث في شكل سردي, تساعدهم أكثر مِن مجرد الإنصات لهم.

     بالنسبة للأشخاص الذين عانوا الكثير من الصدمات، قد يكون من الأفضل لهم عدم التفكير في سيرتهم الذاتية على الإطلاق, لأن هؤلاء الناس قد يقومون بقمع الأحداث الصادمة بطريقة، رغم أنها ليست مثالية، إلا أنها “تتمتع بصحة كافية” رغم أن “الفكرة النموذجية طِبقا للأبحاث العلمية” هي أنه يمكنك قمع شيء ما، لكنه سيعود ويلدغك, إذا لم تتعامل معه”.

     في إحدى الدراسات، قابلت ماكلين”McLean” وزملاؤها إحدى المراهقات، ابنة أم عزباء تبلغ من العمر 17 عامًا، عانت من الكثيرمِن الأحداث, آخرها محاولة انتحار ومع ذلك تجنّبت هذه الأحداث وأخبرت الباحثين أن ذاكرتها الذاتية هي أن والدتها وَعَدت بعدم إنجاب المزيد من الأطفال، ثم خرقت هذا الوعد وأضافت الفتاة:

    “أنا الشخص الوحيد الذي يمكنني الإعتماد عليه في حياتي, لأنني حاولت الإعتماد على أشخاص آخرين وإما تم الغَدْر بي أو أصبت بأذى، لذلك أنا أعرف حقًا أنني لا أستطيع الوثوق إلا بنفسي والإعتماد على نفسي” وهنا يتّضح أنه بينما قد تكون قادرًا على تجنب التفكير في حدث معين، سيكون من الصعب جدًا ترك جميع صفحات قصة حياتك غير مكتوبة.

   قام أدلر”Adler”, بدراسة طولية لـ 47 بالغا خضعوا للعلاج وجعلهم يكتبون قصصًا شخصية وقام بتقييمات كاملة للصحة النفسيّة على مدار 12 جلسة علاجية, ما وجده ليس فقط أن موضوعات القوة في قصص المشاركين زادت مع مرور الوقت, وأن الصحة النفسية زادت، بل أن الاثنين مرتبطان, يقول أدلر: “يبدو الأمر كما لو أن الناس أطلقوا نسخة جديدة من أنفسهم وعاشوا حياتهم بها”.

“لوحة الغلاف: الفنانة الهنغارية سوزانا دومونكوس”.

* مستشار نفسي وكاتبة/ مصر.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *