الحب.. بعض من تخيّلنا..

 

الحب.. بعض من تخيّلنا..


سلوى عبّاس

قال لها: عندما أقرأ ما تكتبين تتألق روحي، وتأخذني لغتك بعيداً عن مشاغل الحياة ومتاعبها، فروت له ما سمعته عن الموسيقار الراحل عبد الوهاب الذي لحّن وغنى الكثير عن الحب، لكنه -كما يقال- لم يعش أي تجربة حب. أما أنا فأكتب عن الحب لأثبت لكم أن “فاقد الشيء يعطيه”، فنظر إليها نظرة استغراب وسألها سؤال العارف: هل تقصدين أنك أيضاً لم تعيشي قصة حب. فأجابته بابتسامة تحمل الكثير من المرارة والسخرية معاً: لا.. أحببت، لكن حالات الحب التي عشتها تتشابه كثيراً مع البيوت التي سكنتها، ما إن أغادرها حتى أنساها!.
لم يعجبه جوابها، وقال لها: لا تستطيعين الابتعاد عن أجوبتك اللئيمة، فابتسمت وغادرت دون أن ترد بأي كلمة.
بعد عدة أيام، وفي موعد زاويتها عاد وسألها: ماذا ستكتبين هذا الأسبوع؟. فأجابته: كالعادة سأكتب عن “الحب”!. فقال لها: وهل أنت مقتنعة أن للحب وجوداً في حياتنا؟.
قالت له: الحب موجود ولا يمكننا نكرانه ولا أن نعيش بدونه، فهو كما قال الشاعر نزار قباني: “الحب في الأرض بعض من تخيلنا، لو لم نجده عليها لاخترعناه”، لكن ربما أخطأنا بتقييد مفردة الحب وحصرها بالعلاقة بين اثنين رجل وامرأة، لأن الحب كمفهوم أشمل من ذلك بكثير، فهو ينشأ معنا منذ لحظة الحنان الأولى التي تغدقها الأم على طفلها، ويتنامى ويكبر ليتمثل بمكونات شخصيتنا كلها، هذا كله يندرج تحت مسمى الحب، وافقها على رأيها بعض الشيء، لكن ملامحه كانت تدل على أنه لا جدوى من هذا الكلام.
هذا السجال حول الحب استحضر في خاطرها حديثاً دار بينها وبين صديق عزيز طلب منها أن تكتب عن “القلوب المنفطرة” من الحب، حيث هذا الصديق عاش حالة حب لم يكتب لها الاستمرار، لكنها استبدت بقلبه وروحه، وظلت حاضرة في وجدانه رغم مرور السنين، وهي تدرك جيداً الحالة التي يعيشها هذا الصديق، فالحب لا ينطبق عليه وصف أنه حالة مضت بمرور الوقت عليها، بل يمكننا القول إن لهفة الحب التي جمعت بين قلبين، تخلت عنهما، لكن هذا لا يعني أن نغلق أبواب قلوبنا خوفاً من وجع آخر قد يسببه لنا الحب، لأنه عندما تُسرق قلوبنا، سارقها يتسلل عبر الأرواح وليس عبر الأبواب، وهذه الصبيّة هي أكثر من خبرت الحب، فقد عاشته في كنف أسرة أغدقت عليها الكثير من حبها وحنانها، فكان زادها ومخزونها الذي تعيش فيه مع محيطها، ومع الناس الذين افتقدت الوفاء لدى كثيرين منهم، لكنها عندما يحضر الحب في روحها لا يمكنها أن تعيش خارج إحساسها به، ولا أن تسمع إلا صوته، لأنها حينها تكون في إنصات لقلبها وروحها تداني خلجاته وشجن الناي الصموت في بوحه، ويستيقظ قلبها ليرى ألوان الحياة، فهي لا تحب الوقوف على الأطلال، ولا تستسلم لأي حالة انكسار، بل تجعلها بداية حلم جديد، فحقائب الحياة لا نستطيع حملها لوحدنا، ونحتاج من يحمل عنا شيئاً من أيامها، لذلك الروح التي لا تشاركها روح أخرى يقتلها المرض.

 

 

* إعلامية سورية..

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *