“العائدون من الغياب”.. مفارقات عجائبية وغرائبية الخير والشر!!..

“العائدون من الغياب”.. مفارقات عجائبية وغرائبية الخير والشر!!..

محمد رستم*

لم تعد الرواية الكلاسيكيّة في وقتنا الراهن تستهوي القراء, فقد فرض العصر رتم تقليعاته وايقاع صرعاته واحتراما نقول: (مدارسه). تحت وقع ما يسمى الحداثة, ثم ما بعد.. بعد الحداثة, وبالفعل غدت ذائقتنا تأنف من تقبل القديم وصرنا نلهث وراء الموضة السائدة في تناول الرواية على المستوى العالمي أي الرواية الواقعيّة العجائبيّة  أو السحريّة, والتي تتخذ الغرائبيّة جزرة غواية, إذ تحرّك وهج تنور الدهشة وتماحك الفكر وتستدر العاطفة بآن معاً في عالم من الفانتازيا الخيالية المربوطة بواقع معين من خلال تسمية أماكن وأشخاص معروفين.

ولعل الروائي طلال مرتضى تقصّد أن ينحو بمرويته جهة التجريب الحداثي بما تنطوي عليه التجربة من روح المغامرة ومخاطر التجريب, فقدم رواية إشكاليّة تطرح أسئلة مقلقة محيّرة عن الإنسان ومصيره المعلق على أرجوحة التخمينات ولعلّه بهذا قد تفوّق على نفسه.

استعار الكاتب أبطال سبع روايات عالميّة من عصر الكلاسيكيّة (اللص والكلاب الغريب, مدام بوفاري, أحدب نوتردام, صخرة طانيوس, العطر واعتمد أيضا على شخصية مس ماربل بطلة أجاثا كريستي) وفي مثل هذا التجريب يفرض على قارئه المعرفة المسبقة بهذه الروايات, ولعله يومئ من طرف آخر إلى استعرض ثقافي!.

هذا وقد حافظ الكاتب على السمات الأساسيّة لأبطاله بعد أن استحضرهم من عالم الغياب (الماضي) ومن الخيال المودع في أوراق الروايات (وهذا ما تشير إليه العنونة) لينفخ فيهم روحاً جديدة تعايش عصرنا, الذي ينوء بمآسيه. والضحية دائماً هي (الإنسان ).

ومع أن الأديب طلال مرتضى اعتمد شخصيات مسبقة الصنع, ترقد سلفاً في ذاكرة المتلقي إلا أنه أعاد تدويرها في مختبر إبداعه, لتبدو نموذجاً جهيراً متمّما لتغوّل سلطة العهر والمال وأصحاب البردات الدينيّة, ومن الواضح أنّ الكاتب لم يمنح شرف البطولة لشخصيّة محددة فبدت كل الشخصيّات فاعلة تقارب نقطة ضوء الحدث بسويّة واحدة, ولعل البطولة الحقيقيّة المخفيّة هي تآمر الشر مع من يرتدي جبة الخير, لذلك نلحظ كيف تقرع المرويّة وبقوة جرس الاستياء من التشابك  بالمصالح  بين سلطة الفساد وتمظهرات الدين وتصرخ بحروف الإدانة والتحذير: (إنّهم قتلة ساديّون ودمويون دروبهم منفيّة من ذاكرة الإنسانيّة والخير).

فالشيخ الجليل مدّعي الطهر هو الوجه الآخر للمومس مدام (بيرت ) ولأن الكرة القذرة قادرة على التدحرج أيضاً فقد نجح في تحركاته لكن إلى حين, ونحن لا ننسى أن الميثلوجيا الدينيّة أخبرتنا بأنّ صراعاً نشأ منذ بدء الخليقة بين قطبي الخير والشر, وفي القرآن الكريم ورد (فبعزتك لأغوينهم أجمعين)..

فجاءت المرويّة لتكشف أنّ تعاوناً وتآمراً وثيقاً يخلو من أحصنة طروادة بين هذين القطبين, إذ تجمعهما غاية واحدة هي السيطرة والتسيّد والاستمرار في استغلال البشريّة. 

ولعل الجمع بين شخصيّات عربيّة وأخرى غربيّة (مع ما في الجمع بينها من صعوبات) يشير إلى أنّ الخطر الذي يتهدد البشريّة عامّ وغير محصور بمكان ما أو بمجتمع محدد, فالرواية تستقي نسغها من محور إنسانيّة الإنسان الواقع تحت تأثير  الظروف المغايرة وعصف أعاصير هذا العصر. حيث يشكل هذا المحور مسار الروايات الحديثة قاطبة. كما أنّه الرابط الموحّد للروايات التي اعتمدها الأديب طلال مرتضى, مما يؤكد صحة مقولة: (ما أقصر الطرق بين الروايات العالميّة).

والمرويّة بمدياتها الفكريّة ترمي أكثر من عصفور بحجر واحد فهي ومن خلال الخيال العلمي تومئ إلى موضوع الكائنات الفضائيّة والتخوف من حضورها.

لكنّها توضح في الوقت نفسه أن الخطر الحقيقي على البشرية كامن بين ظهرانيهم على الأرض, وتشير الرواية إلى أنّ الأهمّ في الحدث هي الدوافع والمحرضات فالغريب هو من قتل الحكيم لكنّ المذنب الحقيقي هو الشيخ الجليل وهو رأس الجريمة الذي دفع بسعيد ومجموعته إلى قتل الحكيم بحجة أنّه كافر ومارق, ويتضح تعاون وتآمر بيت الدعارة والمال مع السلطة الدينية لقتل الحكيم الذي يرمز إلى الفكر المتنور (الجريمة ليست عادية، همس أحد المقربين من حاكم المدينة): هناك أيدٍ تريد الذهاب بالمدينة إلى الخراب. ويقول القاتل الغريب: (عندما رأيت الخير والشر يتحدان معاً للخلاص منه.. قتلته).

وهناك إشارة حول انتقال الروح من جسد إلى الجسد، (محاكاة للطب النفسي وتقليعاته, التنويم المغناطيسي, حيث تعد النمسا _موطن الكاتب الحالي_ بأنها تحوز كل مدارسه, سيجموند فرويد ومواطنه فيكتور فرانكل وغيرهم), كما حدث أن روح “حسناء” أصبحت في جسد “دلجين”، ومثل هذا وارد أيضا في المعتقدات الشرقية فيما نطلق عليه نحن (التقمص). ومع أن بيئة المروية غير محددة المكان, فمدينة الكتب غير معروفة الجغرافيا إلا أنه يمكن السفر إليها بالقطار من باريس إلا أن الكاتب دسّ فيها شيئاً من العرف الاجتماعي الشرقي, فالفتاة التي اغتصبها الشيخ الجليل كانت قد هربت من بيت أبيها لأنّه يريد إجبارها على الزواج من شخص غير حبيبها, وفكرة قتل الحكيم بتهمة الكفر هي حالة غريبة عن المجتمع الغربي، وهي تعبير عن التشدد الإسلامي لا غير. كما أن الطابع البوليسي بنمطه التراجيدي يطغى على الرواية, إذ تكثر فيها جرائم القتل (الشيخ الجليل يغتصب فضيلة ويقتلها، الغريب يقتل الحكيم، جان والولي كانا على وشك قتل السائحة).

وفيها الكثير من الغموض الذي يلف الأسماء (الغرباء، الغريب، الغريبة) ووجود المحقق والمحققة..

وتوضح الرواية أن الإنسان إنما هو ضحية المجتمع الذي ينتمي له: فالمومس بيرت حياتها مأساة حقيقية وهي ضحية أيضاً.

وفضحت الرواية حالة الانفلات الأخلاقي في دائرة المجتمع الصغير الذي يتحكم به الشيخ الجليل فالحرية الجنسية متاحة للجميع وكل النساء اللواتي في دائرة مجتمعه هنّ زوجات له (مطهرات) والتطهير هنا هو وطؤهنّ من قبَله.

وتلمح الرواية في القفلة إلى أن الحكيم كان يحضّر دواءً سيغيّر به خارطة الأرض الطبية.

(جان غرونوي هو الشيطان الأول إنه يحضّر مع الشيخ الجليل حاجة كبيرة أخذاها من دار الحكيم. فالشيخ الجليل استدعى جان غرونوي من غيابه ليحول الدواء المعجزة _الذي ابتكره الحكيم المغدور_ من دواء يستفيد منه البشر إلى سلاح قاتل يتحكم بهم. هذا باعتراف الشيخ حين داهمتهم الشرطة: أفسدتم خطتي التي كانت ستغيّر وجه التاريخ.. إن لم تفسحوا الطريق لي سأفتح هذه القارورة وعليّ وعلى أعدائي). لتأتي الأخبار بعد هذا الحدث بانتشار جائحة وبائية يطلق عليها “كورونا”.

لقد أجاد الكاتب في الربط بين مدينة الكتب وأحداث المروية والشخصيات التي جاءت بكل محمولاتها البنائية بعد أن بدأت بمخاتلة تشويقية حيث يفتتح الكاتب بوابة الحكي على حالة تشد الانتباه في المشفى الواقع تحت الرقابة الصارمة لأجهزة المخابرات, حيث السريّة التامّة هناك، فالمرأة الفضائية التي تعاني من حالة صحية غير مستقرة، وهناك المرأة التي تمرّ في حالة موت سريري مع خوف وهمس وترقّب من قبل العاملين في المشفى والغاية أن يسحب المتلقي إلى فضاء مرويته ويقحمه في صراع لعلّه أحد ضحاياه، فبدا الكاتب كساحرٍ رتّب لعبته واخذ يصرح تعالوا وانظروا.

وتأتي الرواية كمعادلٍ رمزي لواقع محزن ومخيف تعيشه البشريّة فهي ليست مغامرة تهويمية أو محض كتابة ترفيهية فانتازية.

هذا وقد اعتمد الكاتب عناوين داخلية ليمكن قارئه من الانتقال بسلاسة متناهية من موضع الاخر وهو ما يسهم بكسر الزمن الروائي والتحول المكاني من دون أن يستشعر القارئ بذلك. هذا وقد نأى عن لغته الشعرية التي اعتدنا على حضورها بكتاباته واعتمد لغة سردية بارعة في انسكابها رشيقة مغسولة من الحشو والإسهاب, معتمداً طريقة الخطف خلفاً في عرض الأحداث حيث تبدأ الرواية والضحية في المشفى.

وأتت الخاتمة منسجمة مع عواصف القلق الهوجاء التي تجتاح المجتمعات البشرية  (الخوف من جائحة كورونا) وهي نهاية مفتوحة على كل الاحتمالات الكابوسية والمأساوية.

لقد استطاع الكاتب إدخال المتلقي حالة الإيهام الفني حين رتب منطقاً داخلياً حكم السردية الروائية ورتّب حبكتها.

أخيراً نقول: إن الهدف الإشاري من الرواية يومئ إلى ضرورة التحرّر من عنكبوت الوصايا والخروج من عصور الردى والإثم وعدم الانخداع بسرابيّة الظلال، الحقَّ الحقَّ أقول: إن قلم الروائي طلال مرتضى مذخّرٌ بحبر الضوء بعيداً عن الإيديولوجيات الشمطاء, إذ يدعو لأن تودّع البشرية أحلامها المركونة على شرفة الغيب وتشق جيوب الدعاء وتطوي صفحة المخلّص والتسويفات الوهميّة.

* كاتب سوري.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *