تجليات صورة المرأة في الرواية العربية!!..

تجليات صورة المرأة في الرواية العربية!!..

طلال مرتضى*

فيما لو نظرنا إلى عنوان هذه القراءة من عتبة أعلى, فأننا نجد أن اختيار عنوان “صورة المرأة في الرواية” ما هو الا مغامرة مفتوحة وفضفاضة من حيث المعطى أو الدوال.. من باب لسنا أول من طرق هذا العنوان واوغل في دروب حكايته..

فيما لو تتبعنا كل ما كتب في هذا المجال, بالمقاربة تجده متناسل من بعضه البعض هذا على الرغم من تطور الحياة في المجال الواقعي أو في المجال الافتراضي (الكتابة الروائية )..

وفيما لو ضيقنا دائرة البحث هذه لتبقى ضمن المحور الذي يمكننا التعاطي معه, وطبعا أقصد بهذا تاريخ الرواية العربية والذي تجاوز مئويته الأولى, لا بد لنا من التوقف عند بعض المنعطفات المهمة التي واكبت نشأة الرواية العربية.

الكتابة النقدية:

نجد أن كل ما نُظر به في هذا المجال (صورة المرأة في الرواية) أو تمت كتابته من أبحاث نقدية, ودراسات, ومقالات, وقراءات خلال السنوات العشرين الماضية, متكئ ومسند على مراجع ذات قيمة نقدية وفنية مقاربة أو محايثة تماما لمقولات النقد العالمي وليست مبتكرة, وبصراحة أكثر, لا يمكن نفي أن المكتبة العربية تكتظ بالكتب النقدية وبعيدا عن رنين عناوينها الطاربة ورهجة ضوء حضور أسماء كتابها فإننا لو دققنا في معطى هذه الكتب جميعها, ستقودنا الطريق إلى النقطة صفر, نقطة انطلاقنا وذلك لأن كل تلك المقولات النقدية أو الدراسات مسندها ومرجعيتها واحدة, ومحصورة بعدد محدود من الكتب والتي لا يتجاوز عدها أصابع اليد الواحدة, ويمكن الوقوف على حقيقة هذا من خلال آلاف العناوين للمقالات التي تتصدرها الشبكة العنكبوتية, وعلى سبيل البيان أذكر من هذه المراجع, كتاب الناقد جابر عصفور (الصورة الفنية) وكذلك (المرأة والصراع النفسي) للكاتبة نوال السعداوي وكتاب المغاربي صالح مفقودة (المرأة في الرواية) هذا بالإضافة إلى مقولات عز الدين المناصرة. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن العلامة الفارغة بين كل دراسة أو مقال أو بحث يتباين مع غيره من خلال قوة الافتعال الثقافي واللغوي بين كاتب وكاتب. بعيدا عن لوثة الاسقاطات والتشابيه _وقلت لوثة للحد من تدحرج كلمة ثورة النقد_ التي تنضوي تحت ما يسمى النقد الحديث والتي تسخر مقولات المدارس النقدية الغربية وتستعمل مفاتيحها وتتوسل مناهجها بطريقة لا يمكن أن يتقبلها العقل الواعي لفك أكواد منجز عربي يتمتع بخصوصيته لذاته, وذلك لأن المادة الحاملة أو ما سأسميه المسند عليه, مختلفة تماما من حيث البيئة والثقافة والزمن, فمن الصعوبة إخضاع نص من ثقافة وبيئة مغايرة بعدة شغل أخرى لها خصوصيتها ومرجعيتها المستقلة, هذا بعيدا عن حكاية أنك لا تستطيع فك قفل منزلك بمفتاح جارك.

وكخلاصة أولية أقول: إن كل مفاتيح جان جينه ومقولات بارت وغيرهم من عتاولة المدارس لا يمكنها أن تفك شيفرات شخصية المرأة (فضيلة) في روايتي (العائدون من الغياب) أو محايثتها مع امرأة أخرى لها وعيها وسلوكها وجينها الزمكاني المختلف, أو أياً من النساء اللواتي فتح بهن وحيد الطويلة المصري “باب الليل” روايته.

وهذا يفضي في نهاية المطاف إلى أن كل هذه المقولات النقدية والمفاتيح التي نستعملها لتشريح شخصية ما, وحتى لو كانت مقنعة فأن استعمالنا لها لا يتعدى حدود إبراز عضلات اللعب على اللغة أكثر من فتح فضاءات النص وتأويله المبني على معادلات حقيقية.

قبل الدخول في أسئلة العنوان (صورة المرأة في الرواية) لا بد من التفافة أولية وسريعة حول نشأة الرواية العربية, لكون الكل متفق من نقاد أو كتاب على أن المرأة هي (الايقونة) في الرواية العربية.

وهذا لا شك فيه ولا لبس عليه, ويمكن ثبوته بالقياس الكمي والنوعي ومن خلال حضورها الفاعل في الرواية وتعداد وجوهها (صورها) المتباينة التي أسهمت بالتأثيث وتأكيد هذا الحضور, لكن هذا لا يعني أن الأمر مسلم به تماماً.

فصورة هذا الحضور كثيرا ما كانت تتعرض للاهتزاز وهذا ما يجعلها مشوهة المعالم في عيون القارئ, وأشي في هذه العجالة إلى أن مرد هذا الأمر لسببين, الأول. كيدي, لأن جل من يتعاطون النقد هم من الرجال وكذلك عقلية الكاتب ووعيه المرتبط بإرثه الاجتماعي والديني وغيرها. والسبب الثاني هو فقدان الحامل النقدي الحقيقي, أي مسند المقولة النقدية الحقيقية.

لهذا عندما أصدرت الكاتبة بثينة شعبان كتاب (100 عام على الرواية العربية النسائية) قالت: أخشى من اتهام الروائيات العربيات بأنهن يطرحن قضايا ذات طابع سيري أو قضايا شخصية حول الحب والزواج والعائلة.

وهذا جواب استباقي نسائي يشي بأن صورة المرأة لم تزل غير واضحة المعالم, لهذا ذهبت وبعجالة إلى السؤال الحاضر:

كيف تبدت صورة المرأة في الرواية العربية؟.

فالصورة اصطلاحا هي دال فني له أشكاله وأنواعه ومفاهيمه التي تخصه, وهي من أهم الركائز التي بنيت عليها مقولات النقد.

وهذا يفضي إلى أن صورة المرأة في الرواية تختلف من موضع إلى آخر من حيث الدور أو القضية التي يمثلها حامل الصورة أو الشخصية, وانطلاقا من هذا يمكن لنا أن نحصر هذه الصور أو الوجوه تحت عدة عتبات وعناوين ومنها على سبيل الذكر:

امرأة الحب والحرب. وكذلك صورة المرأة المطلقة, المستضعفة, المتمردة, وأيضا تيمة الامومة, العقم.

ففي الغالب الأعم ومما نطالعه من مرويات وهذا بغض النظر عن جنس كاتبها, امرأة كان أو رجل, فأننا نجد أن تيمة الحب والعشق والخيانة هي التيمة الأكثر حضورا, مع تنامي خجول في السنوات الأخيرة لصورتها في الحرب. وكذلك قضية الطلاق والأمومة المرتبطة بموروثات وقوانين اجتماعية لم تزل تلقي بظلالها على صورة المرأة, هذا بعيدا عن قصة عقمها لو ثبتت.

فمثلا: لو عدنا إلى (حياة) بطلة رواية عابر سرير لتلمسنا المأساة التي بدت فيها ملامح صورتها كامرأة لا تلد بقولها: لم اعد أذكر كم زرت من الأطباء بتوصيات خاصة، وكم من أضرحة الأولياء اجبرتني أمي التبرك بها.

وهذا يجلي في النهاية إلى أن صورها متباينة من رواية إلى أخرى ولكنها تتوسل أو تسعى _بسلطة كاتبها_ للالتحاق بركب المرأة الغربية من حيث مجاراتها بالحضور الذي يقدمها كامرأة متحررة وقادرة على نيل كل حقوقها في مجتمعها على غرار الرجل سواء كانت المساواة في العمل والحرية الشخصية.

ولنفترض إلى أن هذا بالفعل الشيء قد تحقق فيما قرأناه في روايات (الافتراض) هل استطاعت المرأة أن تغير من صورتها النمطية في عيون مجتمعها؟.

*كاتب عربي/ فيينا.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *