تذكّرت أمّي!!..

تذكّرت أمّي!!..

القس جوزيف إيليا*

وهذا المساءُ

يجيءُ إليَّ حزينًا ثقيلا

تطاردُني فيهِ صورةُ أمّي:

هنا جلستْ

وهنا وقفتْ ومشتْ

ضحكتْ وبكتْ

وهنا أطربتْني حكاياتُها

عن زمانٍ لها كان ثرًّا وحلوًا جميلا

هنا أطلقتْ آهَها

وشكتْ من فراغِ المكانِ ومهزلةِ الوقتِ

كانت تصلّي وتبكي

وكانت تغنّي المزاميرَ صبحًا وليلا

هنا انكسرتْ

كسرتْها يدُ البعدِ عن بيتِها

وعن المشيِ في طرُقاتِ شوارعَ تعرفُها وبساتينَ تعشقُها

وعنِ الصَّحْبِ يأتونها

تصنعُ الشّايَ

تسكبُهُ بيديها

ولا تغلقُ البابَ

كانت تقولُ:

– بلا زائرٍ يصبحُ البيتُ قبرًا ويغدو عليلا

هنا نسيتْ كيف تنسى

وكيف تنامُ

وكيف تقومُ

وكيف تُعِدُّ الطّعامَ شهيًّا

وكيف بإبرتِها ترتقُ الثّوبَ

كانت تموتُ ببطءٍ

وتخشى على قبرِها أنْ يُهالَ عليهِ ترابٌ غريبٌ

ويلطمَهُ الثّلجُ في قسوةٍ

في شتاءٍ يدومُ طويلا

بهذا المساءِ الكئيبِ تذكّرتُ أمّي

فسالت دموعي على وجنتيَّ بصمتٍ

وفي وجعٍ قلتُ:

أمّاهُ آهٍ

لكمْ كنتِ ليْ مطرًا في جفافي وقيظي

وكمْ كنتُ فوقَكِ غيمًا عقيمًا

وكمْ كنتُ -واخجلي- في عطائي بخيلا

تذكّرتُ أمّي

هنا انهزمتْ خيلُها وكبَتْ

وهنا غصنُها جفَّ كالقشِّ صارَ

إلهي

تلطّفْ بها كنْ كريمًا عطوفًا

لجنّاتِ مجدِكَ خذْها

وهبْها مكانًا نديًّا ظليلا.

* شاعر سوري

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *