رواية “الدّوائـــــــــــر والأبواب”.. الخاتم والطائر المسحور!!..

رواية “الدّوائـــــــــــر والأبواب”.. الخاتم والطائر المسحور!!..

صالح رابح*

ودّنـــــي الأخ الصديق الروائي العالمي عبد الوهاب عيساوي بروايته ما قبل الأخيـــرة الدّوائر والأبواب وقد تكاسلت عن مطالعتها بعد أن استمتعت بروايتيه السابقتين سينما جاكــوب وجبال الموت، ولأنه يشغل العالم هاته الأيــام عاودني الحنين إلى هديته الموّحشة بخط يده، وكنوع من المباركــة مني له على مفّرح تتويجه بجائــزة البوكــر للرواية 2020 عن الديـــوان الإسبرطي والتي شغلت الرواد والنقـاد، إن التتويج بالجوائـــز الإبداعية له دور هام في شحــذ همّة المبدع على التوهــج أكثر كما تعتبر نوع من الشهرة المستحقة والانتشار كما وتستفـــز المحب المطالع على تجديد نفس المطالعة والقراءة وهو الأمــر الذي حدث معي لأعود إلـــى آخــر ما عندي من عبد الوهاب.. الدّوائـــر والأبواب.

الدّوائــر والأبواب رواية فائــزة بجائزة سعاد الصبّاح لــ 2017 والتي صدرت في طبعة أنيقة عن دار ميم الجزائرية للنشر بغلاف ناصع البياض يحوي على صفحته الأولـــى لوحة تكعيبية وزعت عليها ألوان بين البارد والحار في أشكال هندسية متداخلة كأنها أبواب موصدة أو مفتوحة ودوائـــر مكتظة غير متساوية الأقطار حوَّت الأبيض والأســود كــأنها تُناغم محتوى المنتج الروائـــي

الدائرة حيّز مغلق لمجموعة نقاط المستوي التي تبعد عن المركز بنفس المسافة هكذا نعرفها مذ تعلمنا رسمها بمدوّر ، ماذا عنها بعد أن تتراكب وتُزاحم كلها ؟ ماذا عنها بمنظور عيساوي عندما يجعلها تتلاشــى على سطح رائق الصفاء أو حتى معكــر بضباب ، الدوّائــر تنطلق من المركز هنا بعد أن يلامس بنان ناعم لسطح ماء هادئ لتبدأ ضيقة جدا فتتسع وتتسع حتى تضمحل تماما عند نهاية الـحواف ، ماذا لوكان أكثر من بنان لامس السطح في نفس اللحظة كم تتشكل من دائرة وكم من مرة تتصادم حتى يمحو بعضها بعضا، لك أن تتصور عدد وحجم الدوّائر وأقطارها تحت وقع أحداث وهواجس تتلبس ببطل الرواية بابا أحمد .

بابا أحمد وحسب أحداث الرواية وجد نفسه بغير إرادته مع نهاية ستينات القرن الماضي وبداية السبعينات في عائلة إباضية مغلقة متدينة تعيش في واد ميزاب لذا أخذ صفة منطقته ليظهر بالمزابــي في أكثر من مشهد كما ظهر أغلب شخوص الرواية كالسوفي و الأغواطي

أحمد لمزابي كان وحيد والده عبد القادر إمام مسجد منطقته وسليل الزاهــد المرّيد للزاوية التيجانية سي عبد الرحمان بابا والذي كانت له بعض الــكرامات.

إجتهد سي عبد القادر في أن يكون بابا أحمد وريث العائلة المتدينة لكن أحمـــد جُبّل على التمــرد عن نظام قصر الواحة الجنوبية لا يكاد ، يحفظ الثمن القرآني إلا بعد جهد وعصا ، لا يعجبه في القصر شيء إلا والدته لالة زهرة كما وأدمن أطراف الواحــة أين يقيم الغجر بنو عيداس بالتسمية المحلية وهكذا لسنوات حتى تعلق بهم وبترتيبهم غير المنظم خاصة بعد أن صاحب آغيل الغجري وأدمن اللاقمـــي والرقص الغريب غرابة شيخ الغجـــر العارف بالجّن وحشوي الغليــون وسرّ السباخ وهدوء الليل ليقع بابا حمد في سحـــر آخــر فقد أحب الغجرية ..جلا .

تتشكل دوائــر الأحداث حول بابا أحمد الذي أصبح الطائر المسحور الأسطوري الذي طالما حدثته عنه جده سي عبد الرحمان .

وزّع الكاتب عبد الوهاب الدوائـــر حول بابا أحمد في تسعة عشرة فصل بين نزّق شبابه والغجر والتيه ومشيبه وعودته غير مرضي عنه إلى الجلفة التي أسس فيها جده الزاهــد دار لأهل القرآن لتصبح وصية أبيه حتى يرضى عنه .

عاش أحمد تحت رحمة المؤلف مهووسا متوجسا من كل شيء حوله حد شعوره بأصوات راعدة تمزق مخه مع فترات صفاء ضئيلة من الحب والأمل فقد عشق جلا ممارسا ثم عزوزة عذريا زاهدا ، كان يشكل الدوائــر حول نفسه بدون أبواب فيعطي الأمـــور أكثر مما تعادل وتستحق حتى تصل به حد الانهيار لتضمحل دون تأثير منه ، هكذا على مدى هواجسه الغريبة والمختلفة فبعد أن كاد يُقبض خوفا على دار جده ووصية أبيه حتى وجد القبو والتصريح الذي لا قيمة له بعد صدر مرسوما لا يشمل دار جده بالهدم وهكذا مع كل العقد التي مرّ بها لينتبه في الأخيـــر أن وصية والده بالدار لم تكن وصية بالحجــر بقدر ما كانت وصية بسلالة بابا عبد الرحمان قليلة النسل فعبد القادر وحيد والده كما كان أحمد وحيد أبيه .

كان سحرا آخــر وعبد الوهاب يتمتم الأحداث ويسوقك لتراكيب يريدها هو تحديدا في جمل أسطورية لتشعر بخوف وريبة وأنت لا تعرف متى تلتصق برقبتك الترقو أو الجن الذي دفنه شيخ الغجر بعد عراك و في جرة على حافة السباخ ، أو شعور بعطش يشقق الحلق وأنت ترافق بابا أحمد عائدا من تيهه تحت الهجير وسطوة الريح .

كم يتملك الحنين وأنت تتجول مع أحمد وعبد الوهاب في الجلفة القديمة قرب دار البارود ومقهى الأقواس وأنت تقاوم رغبة التوق على ريحانة وشارع المومسات وأنت ترى السوفي يتوارى من القوم شاقا لباب الحديد

بتصوير لفظي شفيف لا تتعب إلا وأنت قرب مقهـــى إسكندر تطلب قهوة أو بيرة باردة في السبعينات .

عبد الوهاب عيساوي تربطه علاقة عجيبة بالجلفة القديمة على الأقل في كل اعماله الثلاث التي طالعتها سينما جاكوب او سييريدي ديمورتي والدوائــر والأبواب يعرف الكثير من دقائقها القديمة وسكانها وزوايا أبوابها الأربعة وهنا أنا المحب الأغبش للرواية أعتقد أن للمكان في الرواية سطوة نافذة تجعل من الأحداث والفصول تنكمش أو تتسع بسياقات العمل الروائــــي .

رواية الدوّائــر والأبواب خاتم مرصع بقطعة ملحية ما أن تنظر فيها حتى يتصاعد الرذاذ والضباب مشكلا عوامل أخرى حد الأحجية الخرافة التي لن تتركك حتى تكمل فصولها.

* كاتب جزائري.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *