سرديات الأنا: السيرة الذاتية مثالاً..

 

سرديات الأنا: السيرة الذاتية مثالاً..

 

 

أحمد علي هلال*

 

 

تختبر “الأنا” كذات وجمع في آن معاً وجودها في توسل لتحققها واختبارها بما يشبه مغامرة سرديةً مفتوحةً في مدونات السيرة الذاتية والتي عرفها تاريخ العالم الأدبي كما تاريخنا الأدبي مع فارق السياق والثقافة المجتمعية، وتلك الفوارق على أهميتها لا تحول دون قراءة منجز “الأنا” لا سيما في تجلياتها الجماليةُ والفكرية بصرف النظر عن قراءة نفسيةٍ هنا أم هناك انطلاقاً من نظرية المعرفة ذاتها والتي تحيلنا إلى رؤية “الأنا” بوصفها سرديةً متحققة وسؤالاً دائماً فرض على الأدب خيارات قراءة أوسع مما نظن وأكثر عمقاً مما يعتقده قارئ عابر.

 

ذلك أنها المجال الحيوي لاستبطان تاريخٍ بعينه وجملة أحداث متصلةٌ ومنفصلةٌ بالآن عينه وبمقدار ما تنفتح على عوالم غايةً في الدهشة والتجلي والانكشاف فهي أيضاً تذهب بنا إلى ما هو غير مألوف على الإطلاق ويبقى أسير تأويلنا الثقافي على الأرجح هكذا وجدنا اعترافات “جان جاك روسو” التي كانت بمثابة الانعطافة في المخيلة الأوروبية على غير مستوى سواءً ذهب التأويل إلى اعتبارها طبقاً لمذكرات القديس “أوغستين” أو أن روسو نفسه أراد أن يقول بحرية تامة “الأنا” أن بوسعه القول هنا ما لم أقله في مكانٍ آخر، فليست السيرة وحدها بمعنى ميثاقها “الأوتوبيوغرافي” بل أكثر من ذلك تاريخُ بعينه يصلح للاستقراء من جديد بفهم سياقه الثقافي وأمثولاته الوجودية وليس اختزالها بالحوامل النفسية فحسب أضف إلى ذلك في المقابل ما وجدنا عليه “أنا” عباس محمود العقاد في زمن وسياق مختلف من أنها كانت تشي وتضمر سجالات عصرها واحتدام تياراته الأدبية والفكرية بالمعنى الذي يغذي تصوراتٍ من داخل السياق حول حركة الثقافة واتجاهاتها، وأيضاً ذهبت “الأنا” في غير مدونةٍ لتقرأ ذاتاً إبداعية في تحولات مسارها واكتشافها لذاتها قبل أنه تكتشف جدل علاقتها بالآخر الجمعي وفي أفق هذه العلاقة سوف تبتدئ علاقاتٍ جديدة في استقبال النص كتجلٍ ثقافي بامتياز في هذا المضمار قرأنا “أنا” الشعراء في مستوى العنوان وبنيته وفي مستوى المتون الإبداعية المختلفة والتي تسعى لإحراز مغايرةٍ لشرطها الاجتماعي وتماه مع شرطها الإنساني، مثلاً “أنا مع حفظ الألقاب” للفنان والمبدع رائد خليل، وعليه لا ينبغي الذهاب إلى شروحات “الأنا” بوصفها جزءاً من كل بل بوصفها ذلك النسيج الدرامي على مستوى اللغة ومستوى الحدث ومستوى الدلالة بما تصطفيه وبما تنفتح عليه وفي ذلك يأتي قولنا: إن الأنا ظاهرة إبداعية تستحق مقاربتها خارج النمذجة السيكولوجية أو الاختزال التاريخي لأن منسوب دهشتها هو في قدرتها على أن تروي بكفاءةٍ وحساسيةٍ سوف تختبرها الأشكال الأدبية ومضامينها اللاحقة فيما يكتبه شبابنا المبدعين، الذين لم تكن لحظتهم الآن سوى تراكمٌ لما أسسه من سبقهم، وعليه تبتدئ القراءة المغايرة كما يفترض لمزيدٍ من الاكتشاف الذي يضعهم في دائرة الضوء لا بل في الضوء ذاته.

 

فيما يبدو أن “نثر الحياة” سيكون المجال الخصب لما تدونه “أنا” الإبداع القادمة والتي يمكن استشرافها ليس بالمنجز الذي توقفت ذائقتنا عنده بل بما يمكن استشرافه من إرهاصات حراكٍ إبداعي توزع على حقول إبداعيةٍ مختلفة يمكن له أن يعكس جماليات علاقة “الأنا” والآخر و”الأنا” والنص الجديد وفي تلك المستويات وحدها يمكن للإبداع أن يستأنف شرطه الجمالي والوجودي إن صح التعبير.

 

 

 

* ناقد وكاتب فلسطيني سوري

 

 

Please follow and like us:

One comment

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *