سقوط حر.. وغلطة الشاطر بألف!!..

سقوط حر.. وغلطة الشاطر بألف!!..

طلال مرتضى*

حين تصل عجلة الحظ نحو أربها, من ذا الذي يمنع المرء من اقتناص فرصته التي آن أوانها؟!.

وأنا أعب درب الحديقة العامرة بالهدوء, بدلت حركة سيري من الركض إلى الهرولة, قبل وصولي الهدف المنشود, سبرت على عجل جهات المكان كلها والتي أعلنت خلوها إلا مني ومنها.

_ مساء الخير.. هل لديك ولاعة؟.

_ للأسف.. أنا لا أدخن.

_ ولا أنا أدخن.

ابتسمت بحركة سريعة لم أستطع رسمها بالكلمات وسألت:

_ إذا لماذا طلبت مني الولاعة إذاً؟.

_ بصراحة.. أردت حرق الحاجز الذي يفصلني عنك!.. اسمي ساهر.. وأنت؟

_ كوكو.

دون انتظار حاولت الاستفادة من اللغة العربية بشيء مفيد, فتوصلت لقناعة تدلي بأن كوكو هذه ربما تم اشتقاقها من كوثر أو كوكب.

_ كوكب.. واوو.. اسم له نغمة. قلت.

_ ما الذي أسقط هذا الكوكب الدري في مداري في هذه الليلة.

كانت الحكاية وباختصار, إن جدران غرفتها قد ضاقت بها بعدما غادرت زميلاتها السكن المشترك, فتلقفتها الحديقة كأم حنون. أما قلت لكم بأن دولاب الحظ ضرب ضربته القاضية وقصم ظهر ناقة السباق!.

_ لعلنا نتشارك سوياً فراغ هذه الليلة, فأنا وحيداً مثلك.. زوجتي والأطفال غادروا المدينة لحضور عيد ميلاد صديقة لهم.

في لحظة خوف من فقداني زمام الحكاية, أثنيت عليها بكلمات الدفء, فليلتنا هذه ثقيلة الظل, لا يمكن كسر عزلتها إلا من خلال فناجين القهوة اللاجنة أو بأكواب الشاي العربي المخمر, كوب واحدة تعدل موجة الطقس المتقلب..

نباهتي هذه المرة وقفت بجانبي وقفة “نسوان” وبكل معنى الكلمة, وقبل أن أترك لها مجال أن تكون فكرة عن شخصيتي من خلال العرض الذي قدمته, قهوة وشاي, دخلت دخولي المهيب, لا يمكن أن اسمح لها أن ترسم في رأسها انطباع يدلي بأنني رجل ارتجوعي.

_ انتبهي يا عمي.. أحنا اللي خلقنا التقدمية!.

قبل سنة أهدى لي صديق لبناني مقرب قادما من بيروت لزيارة فيينا, زجاجة نبيد معتق زحلاوي, لم تزل الزجاجة مدفونة في ظلام خزانة ملابسي, لم تسنح لي فرصة فتحها وذلك بعد الخلاف الذي نشب بيني وبين زوجتي, حول قصة أن النبيذ المعتق حرام.. أيه.. كيف حرام وهو من ثمار الجنة.. لا اعرف!.

باعتقادي أن حكاية سجن زجاجة النبيذ ستنتهي الليلة بانتصار ساحق على أفكار زوجتي الارتجوعية, قال حرام.. يعني إذا ما صار حرام كيف نطلق عليه نبيذ معتق؟.

بينما بدأت الضيفة بجولة استكشافية على الصور المعلقة على جدار غرفة الضيوف, تسللت لأخذ حمام سريع أزيل من خلاله صدأ الملح عن جسمي..

عن كامل قصدية, قدمت لها القهوة أولاً, أردت قراءة فنجانها, علني أستدل إلى الطريق الأقرب والمؤدية نحو رياض عطر قلبها الساكب.

_ ألست خائف من هذه المجازفة.. أنت تغامر؟!.

_ مجازفة.. هههه.. الله يسامحك.. أنا أبو المجازفات الكبرى.. كسرت هيبة حرب عشر سنوات في البلاد وها أنا بين يديك ولم أنكسر.. لو حدثتك عن قصصي في بيروت ومغامراتي, لعرفتِ أنك وقعت الليلة في أحضان ليث هصور.. اعتقد بأنك لن تعرفي معنى هصور.. ما رأيك بالذي بالرجل الذي عفر وجه البحر الأبيض المتوسط بالرمل, حين امتطيته مذلولا نحو أوربتكم هذه.. أنت لا تعرفين من هو أبو العبد.. ونقطة.

حين دلفت جسدي المحموم تحت غطاء السرير, كانت هي تحتسي الرشفة الأخيرة من كأس النبيذ الزحلاوي, سمعتها تتهجأ طريقها نحو السرير, فالأضواء كلها كانت مطفأة, حين اقتربت على مرمى نصف عناق مني _ومن وراء قباب معبديها العامرين بالحريق_ ومض ضوء بلمح البصر, اعتقدت للوهلة الأولى بأن القمر أراد أن يثبت حضوره في هذه اللحظة, ولكنني حين أمعنت النظر بتوت النشوة المكتنز, تبين أن مصدر الومض كان من النجمة الذهبية المشنوقة على سجنجل عنقها..

شهقت في سري وأنا أمرر يدي في الهواء, في محاولة فاشلة لقياس درجة ميول خصرها بالمقاربة مع تمثال صارخ لامرأة عارية تركه مايكل أنجلو على إحدى بوابات روما العتيقة..

تلقفت يدي وهي تقيس مجال الهباء, كان كل شيء قبل هذه اللحظة على ما يرام, لكنها حين زرعت أول قبلة من شفاهها الغاوية في حوض كفي, عرفت أن قصة نزار قباني وسفنه, قصة كان يراد بها الغرق.

_ أيه.. غرق.. ليس صحيحا إن من يركب البحر لا يخشى من الغرق.. بل يخاف وينقطع نسل أبوه.. الكل يفكر القصة: حليب يا بنات.. أيه.. حليب يا بنات.

بعدما سمعت دوي سقوطي بإذني, غافلتني ضحكة قديمة على وزن حليب يا بنات هذه, تذكرت كيف سقط الشاعر كمال سحيم _وقبل خمسة عشر عاماً في شارع الشيخ سعد الدمشقي_ على الأرض, كان السرطان الذي نشب بإمعاءه وقتها يطلق نداء استغاثة: تعالوا وحرروني من جسد هذا المجنون. لحظتها أيقنت بأنه أسلم الأمانة إلى صاحبها, غاب لعدة دقائق عن الحياة, وشهق من جديد:

“ستكتب هذه الأمة بأن أحدبها مات في قارعة الطريق”.

حين سمعته يقول الشعرا في حضرة الموت أردت ركله بقدمي, فالمارة كان يبتعدون عنا, لاعتقادهم بأن الرجل قد تناول جرعة كيف زائدة, وعندما نكزته, ردد:

_ حليب يا بنات.. حليب يا بنات.

على سيرة الحليب وفي كل مرة تقوم زوجتي بغليه, كانت تتركه يشوط لدرجة أن الجيران كانوا يشمون رائحة الشويط والتي ترافق اللبن.

سمعت صراخها وهي ترمي اللوم على بناتها حول احتراق طنجرة الحليب, هذه المرة لم تشط بل احترقت, لكن كيف لها أن تحترق أو تشوط من دون أي رائحة؟؟!.

لربما كنت في تلك اللحظة أهذي, لا أعرف ما الذي يدور في فلك رأسي, ما قصة الحليب المحروق وبدون رائحة, لعلي فقدت حاسة الشم؟؟.

وقتها كنت أشعر برجفة تجتاحني, والتوصيف الدقيق للحكاية هو أن جسدي كله يرتعد من البرد, صرخت ملء صوتي:

_ كوكو.. كوثر.. كوكب.. ارجوك زمليني.. زمليني.. زمليني.

بالحقيقة لم أقل الكلمة بحرفيتها, زمليني.. أعتقد بأنني قلت: دثريني, تأكدت بالفعل من هذا بعد مرور ستة أيام على الواقعة, وبعد المواجهة الصريحة مع زوجتي التي لم تذهب إلى عيد الميلاد أصلا, في تلك الليلة التي التقطت بها كوكو الجميلة من الحديقة.

سألتني زوجتي:

_ قلت لي.. كوكو جايه من كوثر أوكوكب ما.. على كل حال الحمد الله على السلامة.. تعيش وتأكل غيرها حبيبي.. كوكو تبعك.. اسمها الصريح كورونا.

قصتي مع كوفيد 19.

* كاتب عربي/ فيينا.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *