طرحة!!..

طرحة!!..

مريم غدار*

ذات يوم من عام ٢٠١٥, كان ذكرى أربعينية شهداء بيت آل النبي (ص) وكما عهِد أهل جبل عامل الذين لا ينفكون عن زيارة مقام السيدة زينب (ع) بدمشق, كنت نائمة وإذ بابنتي توقظني فرحة لتخبرني بأننا سنذهب الليلة للزيارة!..

قلت لها:

_ لا.. الوضع لا يطمئن هناك.

– أريد أن اذهب أرجوك.. صديقتي حجزت لنا, صديقتها التي كانت سترافقها منعها أهلها من السفر في اللحظات الأخيرة.. لعلهم مثل خائفين.. سنذهب ماما.. سنذهب.

ابتلعت ريقي وقلت في سري ربما هي قسمتي المكتوبة, قمت وتحضُّرت ومشينا عند الساعة الواحدة فجراً, وبالتأكيد تلك ليست المرة الأولى التي كنّا نذهب بها إلى دمشق  لكن هذه المرة كانت مختلفة, ففي الحنجرة غصة ووجع مرار, دمشق تغير وجهها الذي كانت تلاقينا به بشوشاً, والطريق لم تعد تشبه الطريق الذي اعتدناها..

أين الفرحة والبهجة التي كنا نستشعرها ونحن متوجهين لمطعم القرية, أين الناس والوجوه البشة والعطورات التي تعبق في حواري سوق الصالحية أين كل شي؟؟.. وصلنا إلى الفندق بعد معاناة وتدقيق في الهويات, الطريق خربة فهي ليست ذات الطريق التي كنّا نسلكها عادةٍ, أول محطة كانت عند مقام السيدة رقيّة (ع) لا احد غير الحراس, لا احد إلا البدلات المرقطة تحاصر المكان, عدتُ بذاكرتي لسنوات خلت حينما كنّا نتدافع لنصل المقام لنصلي ركعتين, كان الأهل قد حملونا إياها أمانة, نظرت الى فضاء المقام وبكيت الهدوء، الهدوء، الموت، الصدى وبكيت أكثر  وأنا استرجع مشهد الناس والضجيج والصرخات والبكاء وما كنّا نشعره من ضيق واختناق نتيجة التدافع من الزائرين,  كنا نشعر بكل هذا الضغط لنصل باب المقام لكنه الآن يعيش هدوء مقيت.
صرخت بحرقة كبيرة, أين أنتم أيها الزائرون.. أين أنتم.. وأين تدافعكم؟.
بكيت حتى كاد يغشى عليَّ, أصوات رصاص متقطع في الأرجاء, ثلة من الشباب يتنكبون البنادق بدلات مموهة, مثل الأقمار في مطالعها الأولى وهم يبتهلون:

_ لبيكِ.. لبيكِ.  

أكملنا المسير إلى الفندق وصوت الرصاص والقذائف لا ينفك عن افتعال الضجيج والخوف الذي بات يطوق الشام كلها. ثمة أم لبنانية كانت تركض وتنده بصوت عال لأبنها, أتت لتراه بعد غيابه لعدة شهور حين نذر روحه لحراسة المقام الطاهر, وحين أتاها معانقا ليهدئ من روع قلبها, كوني هادئة أماه, “زينب لن تُسبى مرتين”.
ابتلعت الأم صوتها وهي ترفع يديها داعية:

_ الله يحميكم.. الله يحميكم يا أولادي.

وأنا أعود في فجر اليوم التالي للصلاة في مقام مولاتي زينب (ع) وقبل أن أصل  تستوقفني واجهة زجاجية لمحل يواجه الطريق المؤدية إلى المقام, رأيت فيها فستان لعروس معلقة وراء الزجاج, صار لونه رمادياً, لا أدي هل سرقت رائحة بارود الحرب بياضه وأحالته رماديا مثل الكفن؟.

هذا المنظر أبكاني وجعل عبرتي تتفجر بروحي, أرعبتني رائحة الموت التي عشعشت بها على الرغم من سجنها وراء الزجاج الموصدة حيث لا أضواء تزينها ولا كهرباء تضيء لها جنبات الطريق, لتبدوا لعابر الطريق وكأنها عجوز متعبة عاشت ألف عام من التعب, أنهكتها تفاصيل الحرب ووقفت لتستجمع قواها..

من سرق منا سوريتنا وأين أنتَ يا شام الياسمين, فساتين العرائس البيضاء شاخت, وطال وقوفها بانتظار عودة حملة بيارق النصر والآمان.

*كاتبة لبنانية. أمريكا.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *