مجازات للقصائد النافلة!!..

مجازات للقصائد النافلة!!..

طلال مرتضى*

منذ زمن لم أفك عروة قصيدة شاهقة بالإغواء, أنا في فطرة تكويني أخاف القصائد ذات القطوف الدانية, تلك القطوف توقع عابر سرير الحبر في فتنتها, فتنة القصيدة كما قالوا, ناهلة.. قتل ناطورها أهون من ارتكاب عناقها..

قبل قليل وأنا أجر نهر الدفء كي يغطي ظهر غيابي, تلبستني القصيدة بصورة ملاك حائر, وجدتها تقف بالقرب من سرير عزلتي, تراءت لي عارية, نعم عارية…
_ هيه.. هيه.. أين ذهب بكم الفكر؟!.

وجدتها عارية من ظنونها, بيضاء الوجه ينز من ثنايا تصاويرها حليب الرغبة..
القصيدة الخجلة تقتل شاعرها بعنادها, تتجلى بهيئة مهرة حرون لم ترخي رسنها لشاعر قبله, هي تعرف في كناية بنيانها بأنها سدت عليه بغنجها كل أبواب مجازات بيوتها المشرعة على شواطئ البحور قبل أن يفكر للحظة باجتراع قفلة تهدئ من روع ارتعاشها..

لهذا وعندما تحسست بأن أنفاسي بدأت بالتكاثف _أيقنت بأنني صرت قاب رجفتين أو أشقى من ارتكابها_ أدارت لي ظهر الفكرة كي تصيب مقتلي..

القصيدة امرأة وفيها من مكر النساء البحور ما يغرق..
عمدا ولت وجهها نحو بحر رغبتها الطويل الذي لم تشقه كموسى النبي بعصا دلعها..
كان يكفي أن تغمر عاج قدمها في تفاعيله المترابطة حد اختناق الخلخال المتراقص على مطالع جيد ساقها لتقيم لهج الصراخ بروحي:
_ فعولن مفاعيلن.. فعولن.. مفاعيلن..  فعولن مفاعيلن.. فعولن مفاعيلن.

البحر بعينة حتمية الغرق وكنايته سريري, قائل:
_ “من يركب البحر لا يخشى من الغرق”.
غدا أنادده بالحقيقة:
_ “ستبدى لك الأيام ما كنت جاهلاً.. ويأتيك بالأخبار من لا تزود”.

فم البحر لا مدارك له, لا تهاله لمع الأرداف العسجدية ولا تربك حواسه قيام تضاريس القصيدة الحرون وأخاديدها الراهجة..
كان قادراً على ابتلاع بئر سرتها بما فيه من صور, لم يرتجف عندما كسر صورة وجه القمر المرسوم وجه ماء رغبتها بل شظى تفاصيله في هباء التصاريف..

البحر هو الآخر مذ قام به “الدؤلي” صار كيان والكيان بدعة في التنزيل ظل رجل والرجل هذا.. ابن حليب أمه تجاوز خطيئة التفاح راضياً..

الرجل مفتاح القصيدة لأنثى بعينها, لا يمكن فتح أغلال ديوانها الأول إلا بعد تلاوة آيات توتها النافلات.. الناهلات.. الباهلات.. الناقلات.. الجافلات.. القاصيات.. الدانيات.. الباردات.. الكاويات.. الخامرات.. الزاجرات البحور.

الرجل في القصيدة حضور والبحر عند نقطة ارتكاز توت نهدها (للقصيدة) يصير: “وفي أحشاؤه الدر كامن”.

لعبة القصيدة كحرب البلاد.. نحن الشعراء لا نافلة ولا عسل لنا بها..
نرتكب إثمها بعد كسر وزر التوت, بحجة, “يحق لنا ما لا يحق لغيرنا”..
لم ندرك بأن استقامة المعنى تدر غشاوة على تيه المغنى لتسقط عيونكم التي لم تزل شاخصة إلى سرير حبري البارد الحواس في شبهة التأويل..
حتى أنا مثلكم لم تزل كفي تقوقع رسم تكويرة نهد بحجم تفاحة عجر كمطلع أولي لنص نثير قد تبدد الصحيفة في يوم غد عن وجهه غبار الطلع.

*كاتب عربي/ فيينا.   

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *