من رواية “نزاز”.. تضادات عابرة!!..

من رواية “نزاز”.. تضادات عابرة!!..

طلال مرتضى*

ها أنا مثل عرافة بائسة ضلّت غواية الودع، أستجدي بكامل أهليتي دروب الحظ، عبر خيوط متشابكة أو متقطعة في قعر فنجان القهوة الذي أولمته لنكسر معاً فوح هيل العزلة..
لا تصدقوا.. فأنا أُدرك أن الزوابع التي أرصدها الآن في الفنجان هي محض افتراض، كيميائياً هي ذوبانية البن في الماء حين الغليان، واستشرافاً لطالع ذاك الفارس الذي تشكّل على حين رشفة وهو يستلّ سيفاً من خشب..
هززتُ الفنجان ثانية بعبثية لِيُرتب التفل حكاية جديدة، فالقصة صارت مملّة حدّ الاختناق والروح لم تعد تحتمل مغامرات “دونكيشوتية” جديدة.
لجأتُ إلى هاتفي المتخم بالرسائل، أتلمّس عبره صلة القربى.. كونه بات حبل الافتراض الأوحد الذي لا يُسمن ولا يغني من جور الشوق..
تجوبُ عيناي كلمات ملونة مكررة مُعاد تدويرها، تشبه الفاكهة البلاستيكية التي لا مذاق لها، بتّ أحفظ مضامينها من أسماء أصحابها المواظبين على إرسالها من باب رفع العتب، أو بمثابة إشعار أن المرسل لا زال على قيد الماء على الرغم من ضراوة الحرب هناك، أو كضربٍ من ضروب العناد المفتعل في مقارعة الموت..
الأمر بيني وبينهم سيان، فأنا أموتُ من العزلة في الدقيقة الواحدة ستين مرة، ولكني لم أزل أفتعل الحياة بتحدٍّ رغماً عن أنفها من خلال الكتابة، وإيلام فناجين القهوة المتلاحقة والتي تخرجني عن طوري في الصباح التالي، حيث لا مناص من الرضوخ لنداء المجلى المتخم، لغسل ترهاتي العالقة في بؤس تفل الفناجين.
كذلك هم مثلي تماماً أموات -ممن في البلاد- يكابدون الموت بالجوع والحرمان، لا مشكلة لديهم مع الموت، حيث يذهبون طواعية نحو حتفهم بعد أن اقتنعوا بأنهم يساقون إليه بشرع الله، شهداء أبرار دون ثمن، وأعجب في الأمر أنهم لم يتململوا يوماً، بل تركوا بيوت عزائهم مفتوحة مثل قصيدة نثر تحكمها دساتير من التصاوير بنهاية متفلتة، كلٌّ مازال رابضاً في مكانه مثل فزاعة حقل بأثواب بالية ملَّت عناد الريح، بانتظار الأجل.

* كاتب عربي/ فيينا.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *