من “نزاز” الرواية.. ذئب الغواية حمل بديع!!..

من “نزاز” الرواية.. ذئب الغواية حمل بديع!!..

طلال مرتضى*

 – أنا أعرفك كما أعرفني..

– أنت تكذب كي لا يرى الناس انكسارك، لم تغيّرك المنافي، بل زادت من غربتك عنك..

‎- أجزم تماماً بأنك لم تستطع التنصل منك، وتلك الحضارة الجديدة لم تستطع أيضاً تغيير شيء فيك.. لم تستطع سلخ جلدك العتيق عنك..

‎- كلما أقرأ لك قصيدة جديدة، أضحك مِلئي حدّ البكاء عليك، أراقب عن كثب كيف يتهافت المعجبون والمعجبات لتقديم الثناءات على القصيدة، حتى أن البعض منهم، يتهيّب من التوقيع عليها، مستغرباً جرأتك التي لا أنفيها.. جلّهم يعتقدون بأنك عاشق حدّ المجون، يكاد رهط منهم يشهق، حين يتلمّس من داخل نصك تفاصيل الحبيبة وكلّ شيء. حتى أنّ معجبة تمتمت في سرها: أيّها اللئيم الفجع.. تضاريس فتاتك وفتنتها للتبهل وليست للالتهام.

‎- وحدي من يعرف كيف تتنفس، كيف تسمو وأنت تجعل من اللغة السمحاء عجينة طيّعة تشكل منها نساءك الافتراضيات..
انظر في عيوني.. لا تواربني.. أُدرك بالسليقة بأنك لا تستطيعَ..
أنت تعزّي روحك، فراغك، جنونك، هوسك، بنساء المرويات، تصنع منهن عشيقات، تمارس معهن طقوسك المعتادة على الورق. تلك تيمة لا أحد يستطيع مجاراتك بها، أقنعت كل متابعيك عبر الشابكة، بأنك العاشق الوله..

‎- هم مقتنعون تماماً بأن ما يقرؤونه واقعي مائة بالمائة، تنفرج أساريرهم -رجالاً ونساءً- حين يدلفون قصائدك ليأخذوا جرعتهم المحبّبة من خلالك، بل يذهبون إلى أبعد من ذلك حين يقلدون كل طقوس عبادة العشق التي تسنّها لهم، لكلٍّ منهم شجواه ونجواه، يتنفسون عبرك فسحة الحرية..

‎- لا أنكر عليك دهاءك، حتى أنك تخاتلني المقال في كثير من الأحيان، لولا أنني استنبطت قبل فوات الأوان، بأنّ اللغة لعبتك المفضلة، فهي لا تبخل عليك بالمطلق.. تمدّك بكل ممكناتها، ليس كرماً بل لأنها تدرك بسليقة الكتابة، بأنك خير من يطير بها نحو الصخب، وحدكَ من يهدئ روعها حين تعصف بها الريح الهوجاء، فهي لا تستكين إلا بعدما تهدهد عليها بأصابعك المجنونة -وحدي من يعرف سطوة تلك الأصابع- وتريحها بغنج طيّ سرير الورق.

‎- كيف لا وقد اتخذتها خليلة، أنيسة، وأيما رفيقة، تساهرها، تساهرك، تراقصها، تراقصك، تشقيها، تشقيك..

‎- لديك ما يكفي من الجرأة لتلهب أوارها، تدسّ أصابعك مثل مِحراكٍ للشهوة، طيّ فوّهة بركانها الخامل دون رادع أو وازعٍ، تستميلها بمكرٍ لتخرجها عن صمتها.. تستجرها نحو صومعتك، تتوسلها بلؤم، مثل تائب عاد تواً من دروب الخطيئة.. تستغل عزلتها التي تشبه صقيع عزلتك، تنفخ في عيونها بحرارة كي تغشّي بصيرتها.. بخبث..
أعرف بأنّها الآن صارت طوع بنانك، وأنّ اللحظة آنت لتضرب ضربتك الفاصلة.

‎- بحجة التعب، ترمي برأسك -المتخم بأفكار الصيادين- في دوح صدرها الفائر ومثل ذئب تركز فمك في نحرها، تبثها حرارة أنفاسك، تصغي بتشهٍ لضربات قلبها التي بدأت بالتصاعد، تصعق خاصرتها بأصابعك، تترك لكفك الأخرى حرية فك أزرارها، وعند انفتاح الزر الأخير، يصير التوت قاب سطرين أو نفثة حبر..

تسلمك صفحة روحها البيضاء دون ممانعة، كيف لا تصير حرثك وقد دلقت -بمكر وخبث العارف- شيئاً من عسل نشوتك، ليسيل على هامش عطشها..

أيقنت عن سابق قراءة بأنك أجهزت عليها.. أوقعتها في غيبوبة نشوتها.. كادت تسقط من بين يديك مثل آنية زجاجية تتشظى على بلاط الرغبة، لكنها وفي اللحظة الأخيرة وقبل استلاب ارتعاشتها، خمشت خاصرتك بكل ما تملك من لذةٍ.. غرست غبن أظافرها في لحم خطيئتك، كي تبقى متوثبة..
تلك هي لحظتك المثالية، ليس عجيباً حين تتبدل أدوار الحكاية، فيصير الذئب حملاً وديعاً يتلذذ منتشياً بصراخ غزالته دون أي اكتراث لنداءاتها..
أكاد أسمعُ ضجيج روحها، أكاد أتلمّس بكل حواسي حريق الرغبة الذي يداهم سطور مسامها…
أرقب عن كثب كيف أدرت ظهرك لابتهالها:

‎ – أرجوك.. أرجوك.

‎- كما العادة، تركتها ومشيت، ليس ذنبك بالتأكيد، هي من طاوعتك وبكامل أهليتها سلمتك أزرار رغبتها وعليها أن تنال ما اقترفت..

أعرف أنانيتك.. عنجهيتك.. لؤمك.. مكرك.. أعرف كل شيء عنك وفيك..

جلّ ما يشغلني الآن، هو كيف ستقابل معجبيك، معجباتك، بعد أن غررت بهم على أمل الذهاب بهم، بهن إلى الخلاص..
هل أصابك مسُّ الحكاية، هل يكفي كل هذا لتفتعل قصة حب مع اللغة؟..

تطارحها الغرام بين السطور على مرأى من قرائك، قارئاتك وفي وضح الرواية!. أما خَشِيتَ حواجز الكتابة وكناياتها، عندما ضربت بضميرك المستتر عرض الفكرة؟! نصبت ما أمكن لك، كسرت كل معوقات السرد، وكنت كلما سنحت لك الفرصة تتجاوز الفواصل، لدرجة أنك استعملت “الضم” في كل همسة على حساب “سكون” الحالة..

‎كل هذا مباحٌ لرجل يملك أصابع مثل أصابعك. تأخذ الحروفَ نحو فيافي الخدر.. تحت قصفها الوبيل. فقط كان عليك التوقف هنا، رأفة باللاهثين واللاهثات وراء القفلة أو على الأقل أن تترك لهم جملة بين قوسين تدلي بأن ما مروا به هو (فصل تالٍ من مرويتك الجديدة)!.

* كاتب عربي/ فيينا.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *