(من نزاز).. تباشير “مهدي” القصيدة!!..

(من نزاز).. تباشير “مهدي” القصيدة!!..

طلال مرتضى*

الكاتب الذي صار خارج نص الحكاية.. هو أنا..

وقعت أسيراً للتو في شرك الحبكة، ظل سهل الصقيع الممتد حتى ضفاف الدانوب، هززتُ شجرة الذكريات كي أتعطّر بما تيسر لي مما بقي عالقاً على مشجب البلاد التي لفظتني مثل ولد عاق. 

عُدتُ إلى الوراء بفعالية الخطف خلفاً “فلاش باك” لبرهة، كان مخاض المنولوج برأسي عسيراً في كل المطالع، فالجعبة خاوية إلا من جملة الخسارات التي ما فتئت تنزاح واحدة حتى تتجلّى أخرى، وكأن يد القدر شاءتْ أن ترمي بكل خيباتها على عاتق هامشي المتخم بالانكسارات..

الليلُ بدا مثل غريبٍ لا ظلّ له، تلحفَ بالصمت وتفلت كقفلة قصيدة ناشز لا يدري في أي السطور يهجع، لهذا كان لا بد من كسر رِتم النسق في القصة..

ليلُ المغترب يحتاج أن تُولم له كل ممكناتك لتبدّد صقيعه، جلُّ ما أحتاجه في لحظات السكون هذه أن أستعير عواء ذئبٍ جائح ليصدح في صحراء الروح الفارغة، عواؤه أشبه بمعزوفة “تشيللو” تخرجك عن طورك المألوف، تودي بك نحو نواصي الورق كأقل خسارة تُمني بها دفتر الخيبات المتراكمة.. فأنا أُدرك بأنّ هذا الليل يشبهني في اليُتم، في الهباء، في السكون، حتى إن الفرق بسيط جداً بيننا، قد نتعادل واحدة بواحدة أو قد أضاهيه بأخرى، حين امتلكتُ أربعة جدران وسقفاً كئيبَ الضوء، بينما بقي هو متفلتاً في شوارع عزلته الباردة، ينظر نحوي من خلف النافذة العجفاء ويصفر شزراً..

لا شك أنّي بتّ أشعر بالتواد بيننا، كأخ لم تلده أمي ورضيت به أنيساً على الرغم من طبعِ الغدر الذي يعتريه لحظة انشغالي عنه، ليدسّ سمّه في عظامي مثل مخدر منتهي الصلاحية، كان يعرف أنّ في البرد مقتلي، فيداهمني.

لا مناص الآن من تنهيدة عابرة –والنص قد قارب الخواتيم وبات يتوسل القفلة- كنزقٍ أخير عند خط النهاية، ترفلُ أنفاسها على مضض الحبر.

ما كان عليَّ فتح صندوق الوجع على ضوء شمعة “تبتبت” لحن انطفائها بالبكاء؛ لستُ أدري لفرقة العسلِ أم من حرقة الفتل؟.

أعرفُ بالسليقة أنّ النهايات المفتوحة تجعلُ من القارئ المفترض شريكاً، لكنه التوجّس الذي يسكنني وأنا أدخل تلافيف دماغه المتعطنة، لأن تأويلاته اللامحسوبة سوف تشدّه نحو الشبهة التي تحاشيت السقوط في غياهبها، لذلك تعمدت أن أسدَّ نهم قفلتي بنهاية مشرفة، أخالها كلاسيكية المعطى أو أقرب إلى نهاية فيلم درامي يدمغ بكلمة “END” عند زواج البطل من البطلة أو موتهما، هذا عدا عن موكب النقاد الذين لن يتوقفوا عن دسِّ تُرهاتهم طيّ مفاز النص؛ وفي أحسن الحالات سأتلمّس شماتتهم بعدما تتصدّر الصحف في اليوم التالي عناوينهم السليطة بالمجاز المبطن، وما نقدناهم ولكن كانوا نصوصهم يكسرون.

سرت رجفة مفاجئة في أوردتي، تقارب مطالع رعشة النشوة مع فارق المذاق، بعدما صحوت على تنبيه هاتفي المسجّى على أريكة غيبوبتي، فحين قمتُ بفصل حبله السري عن القابس مرت سحابة انقباض باهتة، تدلي بأن الفرصة مواتية لإطفاء الشمعة الكئيبة والاستلقاء على الأريكة بات مطلباً، بعدما قررت القيام بجولة تفقدية للرسائل الفائتة..

ومما لا شك فيه أن إغلاق الهاتف لعدة ساعات في ليلة الميلاد أمر صعب لا يقاوم، فالقصة كلها أشبه بضرب تحدٍّ، سألتني: ولِمَ لا وأنا المقطوع حتى مني!.. فالشجرة التي خرجتُ من لدنها فنناً ثم غصناً، ماتت وقوفاً وتناهشتها فؤوس الحطابين قبل أن يشتدّ عودي، ومنذ أن انقطع قوس القزح الذي يربط السماء بالأرض، بقيت أمي في السماء وبقيت أنا عند الطرف الآخر للحكاية!.

كان قرار العودة إلى الورقة والقلم، مقابل إخماد هذا الدخيل الذي لا ينفك عن مشاغلتي بنقله لأخبار الحرب وويلاتها في تلك البقعة التي وسمتها على روحي ببلدي، أخفّ خسارات الوقت..

بعد فسحة صمتي بقليل وقبل استيقاظ أصابعي من شهوة الكتابة، تماماً عند أطراف سهل اللغة الممتنع، وقت تجمهرت عقارب الساعة فوق رأس منتصف القصيدة، جاء البيان:

الشاعرُ الحالم جلُّ ما يشغله اجتراع قصيدة لم يزن وزنها شاعر قبله، لا ضير لو نثرها نصاً متماهياً في غموضه حدّ الدهشة فوق يباب ديوان نامت دوالُ معانيه في قلب الشاعر..

القصيدة ذاتها لم تعمّر طويلاً، حين عاد بها إلى البيت بقي طوال الطريق متأبطاً الصحيفة التي نشرتها، مثل عشيقة لا ينفك عن شمّ حبرها المائز. استفاق متوهلاً على حلم بغيض حينما وجد زوجته تَمسح بها زجاج النوافذ، تمتم بحرقة: والكاظمين الغيظ.

لم يسكت، بل دوّن احتجاجه كـأضعف الأوزان على شريطِ المهجة العاجل:

والحبر إنّ الشعر لفي قهر.

إن الكاتب الذي ما فتئ يتلمّس زجاج غرفته في المغترب البعيد، بحثاً في المجاز عن كسرة قصيدة، قبل عشرين عاماً مسحت زوجته بها آخر حلم له هو أنا..

الكاتب الذي كابد كل أصناف الكتابة؛ أولم لها كل ممكنات القول؛ مارس وشيطانة الشعر دعارة الفكر؛ قاسمها سرير الغواية، ولم يتوانَ للحظة أن يدفق في حوض رغبتها حبر الروح، بصراحة.. أنا..

مُنذ تلك الواقعة أيقنتُ بأن لا قيامة للشعر وأن انتظار مهدي القصيدة بدعة حقة يُراد بها الحضور، اجترعها شيطان القريحة كي يُجبر بها كسر رِتم المقال..

ما أدهى هذا الليل، رغم بؤسه، رغم البرد الهاجع في كل تفاصيله، لا ينفك عن نكزِ خاصرة الذاكرة، يدسُّ أصابعه في أنف الوجع ليعطس من نخاعه، ثم يلملم ما تبقى من خيوطه وينهج متخففاً نحو سكة قطار الصبح، بانتظارِ موكب الشمس القادم من شرق كوكب الحكاية.

*كاتب عربي/ فيينا.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *