طلال مرتضى في “العائدون من الغياب”.. يرتب بدايات جديدة لنهايات سالفة!!..

طلال مرتضى في “العائدون من الغياب”.. يرتب بدايات جديدة لنهايات سالفة!!..

ندى محمد عادلة*

رواية العصر في زمن المكائد والتحولات الصعبة للأديب السوري طلال مرتضى تحمل الجوانب السوسيولوجية بواقعية التراجيديا المؤلمة.

القراءة النقدية لابد لها حتى تستجيب وتقارب حدود هذا العنوان لتعطي آلية التذوق للقارئ ومن ثم الاستقراء والاستنتاج والتحليل والتأويل للفهم والوصول الى الدلالات …

العائدون من الغياب، تتشكل من مآسي سبع سنوات من أبطال سبع روايات هزت القراء وأضافت الكثير إلى المشهد الإنساني …

القاص كطائر الهوما يستمر في التحليق ولا يحط جناحه على شجرة يابسة يركل الفضاء بضراوة ويرنو إلى الوطن الذي شهد انبثاقه ويستحضر بروايته أشخاص كنّا قد تماهينا معها في صفحات الأدب العالمي.

* مس ماربل محققة بوليسية ابتكرتها اجاثا كريستي.

* ميرسولت بطل رواية الغريب للبير كامو.

* سعيد مهران بطل رواية اللص والكلاب لنجيب محفوظ.

* بيرت ابنة مدام بوفاري من رواية مدام بوفاري لغوستاف فلوبير.

* جان غرونوي بطل رواية العطر لباتريك زوسكيند.

* كوازيمودو الأحدب بطل رواية أحدب نوتردام.

* طانيوس بطل رواية صخرة طانيوس لأمين معلوف.

رواية العصر الدامي بالجراح والمآسي, وأنت تتصفحها تشعر ان ابطالها من الخيال العلمي بالقص والحوار والمضمون الفكري والرمزي, إضافة إلى احداثها المدهشة المرعبة حيث ضحايا الموت والحرب والخوف, ضحايا الأنظمة الفاسدة في السجون والمعتقلات, النساء  والكون المباح للظباء والقناص, وقضايا الجنس لدى صناع القرارات من جميع الأطراف للوصول بالنهاية الى ضحايا الكورونا ودمار الانسان المبرمج.

يقول الكاتب هذه الشخصيات ان وجدتموها في الحياة العامة لن تكون مصادفة وأنا منكم ويعنيني ما يعنيكم ولكن اتركوا هذه الأمور سر بيننا الخوف يستلبسنا وقت الإشارة وفي كل مكان.

رصد للحالة الشعورية:

الرواية عمل متقن ولغة متماسكة بالسرد الأدبي تشكل أحد مستويات الأداء في القص الممتع،

حيث اشتغل الكاتب على نفسية الشخصيات مستكشفا بعدا تكوينيا تدعم رأيا حرا، أو تثبت واقعة حياتية معاصرة ونحن متواجدون شهود عيان على الخوف القلق، التمرد, الموت المبرمج، الفقر، الشجاعة، والأديب الشجاع يستحضر هذه المفردات لينطقها بأفكاره برؤيته وسعة آفاقه, أحدب نوتردام بيننا وبيرت بيننا, ولن أسمي الأسماء بمسمياتها حتى لا يحبس التعبير عما يثيره ويحفز من شعوره..

الرمز متنفس نفسي لإسقاط مشاعر الروائي كما يكون القهر المتواجد خلف الكلمة ليلجمها أو ليكممها وهو من ضرورات العمل الشعري أو الروائي.

موت سريري

هكذا بدأ الكاتب روايته, “وأنت تحث الخطى في ذلك الرواق سوف يكون من المستحسن ألا تلتفت يمينا أو يسارا لأن هذا قد يزيد من حالة الخوف التي اعترتك من باب أنك وصلت إلى هنا عن طريق الخطأ أو من باب الفضول..

ماذا يعني لك الخوف هل هو غريزة استلبست المواطن العربي منذ الأزل ستجده في كل مكان في الحياة والموت والحياة والشخصيات المتواجدة من خيال الكاتب هي المعين الكبير للأحداث والفصول المتشابكة:

_ “وقف عندك شو عم تقرأ؟”.

_ “ها.. رواية.. رواية.

_ ايه رواية.. الله يلعنك قطعت قلبي.

أخذتني هذه الرواية إلى عمل مارسيل بروست (البحث عن الزمن المفقود) البحث عن الحياة في عيون البشر في زمن الكوارث والأزمات والشرح يطول في ميزة الأدب حين يتناول السبر والكشف السيكولوجي للنفس البشرية في الفن والأدب وفي دمج الصور والمشاهد المستحدثة، حيث الزمن أحد أبطال الرواية وهو الأقوى فعلا في حياة الانسان إضافة لذالك المفكر الفرنسي هنري برغسون في اكتشافاته النفسية للاوعي الإنساني واهميته, قدم لنا عددا كبيرا من الأشخاص في محاضراته الفلسفية عن سيطرة الزمن المغّير للأفراد والجماعات وتحولاتهم الفكرية والنفسية.

الشخصيات تتأرجح وتتحول تحت ضغط المؤثرات الراهنة لشخصيات متحولة ومرعبة وتحت تأثير الغزو الثقافي الفكري وما أعنيه هنا هو التلقي العشوائي والاستيراد الآلي في اتجاه واحد بغرض تخريب العقل العربي والوجدان العربي وخلق استجابة فكرية نمطية سلوكية والنأي بالعرب كأفراد وجماعات عن متابعة مشروعهم الحضاري والتطوري

وهذا ما خلق خلخلة بالعلاقات الاجتماعية والبنية الفكرية والاقتصادية وتفكيك عناصر القوة فيها..

الرواية متشابكه وتحمل أزمات الوطن بطريقة السرد الإبداعي والفواصل فيها عناوين مشروحة ومبوبة بخطة محكمة, فضول, اعتراف, زيارة أخيرة, حديث الليل, موت سريري, المصيدة والمظلوم, ذاكرة غائبة, جائحة.

_ لا وقت لهذا.. عليك الالتزام بالأوامر لملم أشياءك وبسرعة هناك حالات طارئة يمكنها أن تصل بأي ثانية وهذا خطر عليكم.. بسرعة أرجوك دكتور لن أخفي عليك, الأمر خطير وصلت برقية تقول بأن هناك فايروس تسرب من احدى المختبرات في مدينة ما.. كورونا اسمه وهو يحصد مئات الأرواح بل ربما الآلاف عليكم المغادرة فورا,

_ فلنغادر قبل النهاية.

ختمت قراءتي للرواية بنهايتها الموفقة الواقعية بفضاء شاهدته مع الروائي, مطلي بطعم الخراب ولازال البحث جاري بكتب التنجيم عن فك طلاسم مخربي الزمن ومصاصي الدماء..

لم أستطع تلخيصها واختزالها بصفحة أو صفحتين لثرائها بالدلالات وما تضمه من فكر وموضوعية بنقل الأحداث وبرأيي المتواضع كل قارئ يمتلك الدلالة التي تحول خطاب المبدع إلى نص شرطه الرئيسي ان يلامس ذالك الخطاب حاجاته ومشكلاته ويرقى إلى مستوى اهتماماته..

(العائدون من الغياب ) رواية العصر وعلى القارئ أن يقرأها بشغف ويضيف حواس أخرى لحواسه انها توثيق “سوبرماني” يمتطي ثياب مزركشة من نبضات القلب على زمن يتوقف عن الحقائق..

الشمس بعيدة ولكن خيوطها دافئة حين نفتح نوافذ الحياة على الزمن الصعب.

* كاتبة سورية.

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *