المنشار!!..

المنشار!!..

ياسر سمير*

لم أكن خاشقجي، ولم تكن مرافقتي خطيبته التي تركها تنتظره أمام السفارة..
فأنا لم أكن على أهمية كبرى مثله في هذا العالم إلا في نظر أمي وزوجتي وأبنائي -هذا إن صدق حدسي طبعا- ولم أكن بالبدانة الكافية حتى أبدو مثله، وحتى نظَارتي التي ارتديها من حين لأخر كانت حاجتي لها لا تزيد عن قراءة ما تيسر من بعض الصفحات التي أحتاجها بين الفينة والفينة..
ولم تكن الفتاة التي طلب منها حارس القنصلية البقاء خارجا على قلب تلك المرأة التي قلبت عرش آل “سلول” ذات يوم أعلنت فيه بهاتفها البسيط عن جريمة تُرتكب بين جدران صماء بكل غباء هذا العالم ما سبق منه وما لحق وما سيلحق…

نعم لم أكن لأتخيل ولو للحظة أن تسوقني الأقدار وأذهب إلى سفارة السعودية بتونس ولم يكن ليخطر على كوابيسي التي مررت بها طيلة حياتي أن تأخذني عنوة إلى هناك.

دخلنا “الحرم” وكلنا ابتسام وتبسم توقيا من رصاصة طائشة قد تصيبنا من هنا أوهناك فقد يتغير المنشار بالرصاص في أي لحظة من يدري؟ فنحن في حضرة الممكن بكل امتياز.

بعد طرح سبب الزيارة مكنني ذاك الحارس التونسي الذي كان يشبهني في كل تفاصيله البادية والباطنة، من العبور على الصراط. شرعت في العبور وأنا أردد مقولة شيخنا المعري “احمليني زقفونة ” من يدري قد لا تحملني قدماي.

طرقت باب المكتب بكل لطف خوفا من انفجار قد يحدث لو أني لم أترفق وأتمهل وأنا أطلب الدخول.

كان أنيقا جدا حد الإبهار وهو جالس في مكتبه بجانبه امرأة لم أنتبه لوجودها إلا بعد أن أجابني ذاك الأنيق في صلف وتكبر أنه لم يفهم ما أقول ولم يفهم طلبي..
عندها تدخلت تلك السيدة كذاك الطبيب المعالج الذي يجيء على عجل مع سيارة الإسعاف كي تسعفني بالإجابة الكافية والضافية في تلهٍ وتكبر باديين من المسؤول المعني بشأن ما جئت أسأل عنه.

كانت تنصت إلي بكل ابتسام وتفهم وصبر على جهلي بما أبحث عن فهمه وإدراكه وكأني بها تنتقم لي في سرها من ذاك التيس الذي كان يجلس على يمينها وقد لاحظت من قبل ما أتاه معي من عنجهية وتكبر وكأني أحد غلمانه الذين تركهم هناك بعيدا ويريد استبدالهم مع كل ذي حاجة عنده من أهل وطني.

سريعا فهمت منها المطلوب وأدركت هي أني أستطيع التفسير بكل اللغات لولا حاجتي الماسة والملحة إلى نسيان ما فعله المنشار وآل المنشار ذات يوم في مكان كالذي أنا عليه وفي فضاء كالذي أنا فيه أتنفس هواءه الآن.

خرجت مودعا إياهما بكل عبارات اللطف التي حفظتها عن ظهر قلب منذ طفولتي إلى كهولتي التي أحمل أوزارها الآن، ولم يرد علي ذاك “الشيء”، فقط هي أجابت بما كان يليق بها وأفاضت.

خرجت وأنا على يقين أنه لن يتعلم الدرس فربطة العنق التي كان يرتديها لم تتعود عليها رقبته, فاختنق بها فمات حدسه وذكاؤه. ولما العجب وهو المتعود على “ربطة عنق “يضعها على رأسه تعبر عما يحمله في تجويفة رأسه من خواء.

أمام الباب الذي تركت فيه مرافقتي تنتظر كانت كل كمرات المراقبة -التي لم انتبه لها عند الدخول- كانت كلها تشتغل أو هكذا شبه لي. لم أجد أي صحفي ينتظرني كي يسألني كيف نجوت؟ لم أجد ما يعلن عن موتي كذلك الرجل الشجاع الذي حدثني عنه حنا مينا في أحد رواياته.

تفقدتني من أعلى رأسي إلى أسفل قدمي، الحمد لله لم أفقد من جسدي شيء.

عندها ركبنا السيارة وأخذنا طريق العودة فسألتني من جئت أقضي حاجتها عند آل سلول.

– قلي كيف هي الأمور ميسرة أم…؟

سريعا قاطعتها قائلا:

– أنا أشعر بعسر في بطني يا ابنة العاصمة، احمليني إلى أقرب استراحة تعرفينها قريبة من هنا أقضي فيها حاجتي كما قضيت لك حاجتك.

* كاتب تونسي

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *