(أحمد جميل الحسن).. كنت أظنه هرماً عصيا.. كيف ذوبته شمس البلاد؟!!..

(أحمد جميل الحسن).. كنت أظنه هرماً عصيا.. كيف ذوبته شمس البلاد؟!!..

شطرنج للإعلام*

لماذا يغادرون على عجل؟!!..

من علمهم ركوب درب الوداعات, من أخبرهم بعلم اليقين بأننا لم نكن لنريد منهم سوى تلويحة يد مارقة عبر هواء فراغ أرواحنا..

لماذا يطرق الموت قلوب وأرواح من سلمنا وتركنا بيد أيديهم فتنة حواسنا التائهة لتضيع في هباء الزمن الذي لا يتوقف..

في هذه اللحظة كل الذي ارتسمت فلسطين على شبكة قلوبهم كخارطة طريق وتعشعشت في أرواحهم عشقاً مطالبون بالإجابة الحقة, من دل مليك الموت إلى ملاذ “أبا جلال” الفلسطيني كي يتسلل إليه خلسة ويدك مضجع خلوته البارد؟؟.. كلكم متهمون أمام تمادي الموت وسطوته التي طالت “أحمد جميل حسن” هذا المساء..

وأنا أكتب نعواه الآن.. لم يتسنى لدمعة واحدة الهرب من مقلتي, عبثا تحجر الماء في عيوني, صرت عصي الدمع كما يقولون..
تلك ليست ببلادة وتلك ليست بمجافاة وتلك ليست غلاظة روح وليست فظاظة قلب عاث به برد الاغتراب..

أبداً ليس كل هذا بي, فقط كنت أنادد صورة أبا جلال, مناددة الرجل للرجل, وقفت أسائله, لماذا أخلفت بوعدك لي.. لمحبيك.. للشام.. لفلسطين؟؟!!..

مالي أراك ساجم الحواس, آما قلت بعد أن هُجرت من بيتك قسراً في الحجر الأسود حين طالته يد الغربان, بأن كل بيوتك دمشق بيوتك؟؟

لقد صدقت بنية صافية بعدما أعرضت عن الاستجابة لنداء عائلتك التي غادرت البلاد وبقيت متشبثا بقرارك.. “لن أخرج من الشام إلا نحو جهة جنوني الأولى والأخيرة.. فلسطين”.

أنا أضحك ملء روحي من البكاء يا أبا جلال.. أضحك على انفراط عقد الكلام بين أصابعي الخرساء والسؤال الأبكم يغص في حنجرتي, لماذا كل الذين علموني فتنة ورهجة الحياة هم أول من يتركونها, لماذا لم يفوا بوعودهم؟..

هكذا تسلل “أبا طارق.. حمزة برقاوي” ذات غياب مثل هدف مباغت ليترك صفحة الكلام بيضاء مثل قلبه دون وداع..

كيف غرر بي ذات مرة عصام العبد الله واعداً:

“روح آمن ولادك ورجاع ي طلال.. حتلاقينا هون ع حطة أيدك.. البلاد خربت”.. ههههه يا الله.. ع حطة أيدك.. أي صدقت وأنا الذي كنت أراك هرما لبنانيا كأهرام مصر البعيدة صعب المراس وقوي الشكيمة لا تهز ريح الهوج, مالي أراك وقد غافلتني بعد أن ركبت أنا دروب البعاد لتنهار مثل جبل ثلجي تسربلته خيوط شمس مخاتلة وتغيب.. صيرت أرض الشعر ماء أول ما أغرقت به خيط النمل الذي عبر زيح قصيدتك الأخيرة..

هكذا فعل يا أبا جلال الليلة مثلهم, لقد أخلف وعده مع كل الذين كانوا ينتظرون “ثلاثاء دمشق”.. ليولوا وجوههم نحو شارع بغداد حيث يجدونك أول الواصلين, تقف على النافذة ذات الستارة الخضراء والتي لم تزل تحتفظ بدخان سيجارتك وربما بعض من بقع متناثرة من كأس قهوتك المعهود, تقف كالقناص لترصد الطريق المؤدية إلى الأزبكية لتسجل أسماء الواصلين قبل وصولهم وقبل أن تلتف نحو الوراء ترمي بنظرتك الأخيرة مطمئنا نحو امتداد قاسيون البعيد الملتف كسور عتيق أو كشال مرقط التف حول عنق الشام..

الحرب يا أبا جلال لا شك بأنها هدمت المباني وخربت كل تصاوير الجمال في بلادنا, كنا نبلع ريقنا على مضض ونقول, كل هذا يمكن تعويضه ولكنني أترك سؤالي الأخير نهاية السطر البائس, كيف سنعوض خسارة هذا القلم الكبير المحب والإنسان.. كل حروب الأرض وانتصاراتها لا تجبر كسر قلم!..

في دمشق اليوم سقط قلم إنسان.. إنسان بمعنى الكلمة من خفق وأنفاس..
لك الحق يا دمشق أن تذرفي دمعا على فراق أبنك الضيف الذي غافلته المنية بقلبك وهو يرفل أنفاسه روحه بلهج القدس العتيقة..

أبا جلال الأديب والقاص.. عذرك..
فلقد خانتني اللغة في هذا المساء البارد وارتبكت بين أصابعي الخرساء لوقع حزن قلبي على فراقك أو على وداعك من دون كسرة عناق أخيرة.

باسم الكلمة.. باسم الحبر وإنسانيته.. باسم الذين رصدوا حياتهم وأقلامهم لعشق فلسطين.. باسم الذين حجوا دمشق باسم الحب أنعي صديق الحبر ورفيق حكايات العشق الفلسطينية الأديب الفلسطيني القاص أحمد جميل الحسن الذي وافته المنية في دمشق.

أحمد جميل الحسن, عضو الاتحاد العام للكتاب والصحافيين الفلسطينيين فرع سورية ورئيس جمعية القصة والبحوث في الاتحاد, له عدد من الإصدارات الأدبية في القصة القصيرة وغيرها.

أحمد جميل الحسن بقي مواكبا الحراك الثقافي السوري الفلسطيني حتى الأسبوع المنصرم قبل أن يتمكن منه المرض من خلال الفعالية التي كان يديرها في مقر الاتحاد كل يوم ثلاثاء, لم تثنه كل ما تعرضت له البلاد من طعنات بقي مؤمنا وغادرها مؤمنا بأنها على حق ومنتصرة لا محال.

أبا جلال.. سلاماً للتراب الدمشقي الذي ستتلحف به.

* موقع إعلامي عربي/ فيينا.

Please follow and like us:

Leave a Reply

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *